الإسلام والديمقراطية ... يمكن أن يتوافقا ؟!- يوئاف روزنبرج

ترجمة / أطلس للدراسات


الاثنين, 10 فبراير, 2014,
 

في هذا المقال سأناقش فرضية، والتي تم وفقها تحليل الأحداث التي مر بها الشرق الأوسط في العامين الأخيرين، والتي تفرض تحليل وتدقيق معمق في أسس الفلسفة السياسية، واستخدام مصطلحات أساسية فلسفية ترتبط بمصطلح التنوير، الحريات، سيادة الشعب والإله.

بمفاهيم كثيرة إن ما حصل في الشرق الأوسط ويحصل الآن يذكر إلى حد ما بالأحداث التي مرت بها أوروبا قبل مائتي عام مع ظهور مصطلح التنوير والقومية.

وكما هو مفهوم؛ فإن الاحداث في الشرق الأوسط حصلت في القرن الواحد والعشرين، ولا يمكن أن نتخيل هذه الأحداث كأنها حصلت في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر. على سبيل المثال كتب كثيراً عن استخدام مواطني الشرق الأوسط الانترنت والشبكات الاجتماعية من أجل الالتفاف على منظومة المراقبة التي تستخدمها الانظمة السلطوية والتي أرادوا ان ينتفضوا ضدها، هذه التكنولوجيا بالطبع لم تكن متوفرة قبل مائتي عام، ولا حتى وسائل الاتصال الجماعية التي تنقل الصورة والحدث بشكل مباشر، ولكن بالفهم العميق لمصطلح التنوير وللأسس السياسية التي نمت من خلاله يمكن الفهم بشكل جيد حقيقة صعود الأحزاب الاسلامية للسلطة في العديد من الدول العربية والتقدير بشكل أكثر حول احتمال تشكل أنظمة ديمقراطية في هذه الدول.

الفرضية المركزية في هذا المقال هي أنه لا يمكن حتى الآن الحسم في مسألة إمكانية تطور أنظمة ديمقراطية في الدول العربية. مسيرة تشكل أنظمة جديدة في الدول العربية تحتاج إلى سنوات كثيرة ولا يمكن نفي في أي مرحلة من المراحل إمكانية تطور نظام ديمقراطي إسلامي، وإذا تطور ذلك لا نتوقع أن تكون هذه أنظمة ذات مميزات تنويرية ليبرالية على النمط الغربي، ولكن يمكن أن تتوفر حقوق أقليات عن طريق ضغط شعبي وانتخابات ديمقراطية حرة على الاقل. اللحظة الحالية تستوجب تدقيق معمق في مبنى الأساس الفلسفي المتوفر في مصطلحات التقديرات المعلوماتية وتقديرات الخبراء.

الكثير من التحليلات التي نشرت حتى الآن، و بشكل خاص في إسرائيل، كتبت على يد خبراء في الشرق الأوسط، حيث ان التخصصات الأكاديمية لدراسات الشرق الأوسط تفترض ومنذ زمن وجود تباين في المجتمعات والدول في المنطقة الجغرافية التي تسمى الشرق الأوسط عن ظواهر جيوسياسية عالمية أخرى، رغم أن باحثي الشرق الأوسط لا يتجاهلون ظواهر عالمية مثل الانترنت، العولمة، الاقتصاد... الخ، ولكن اذا تعاملنا مع الحركات والمجتمعات في الشرق الأوسط التعامل الذي يتطلب خبرات خاصة لفهمها فإنها ستظهر جوهر خاص لأبناء المنطقة وللشكل السياسي المتعارف عليه.

هذا المقال يناقش فرضية جوهرية، حسب هذه الفرضية فإن فهم المسيرة التي يمر بها الشرق الأوسط في هذه الايام تتطلب ربط جوهري بينها وبين الظواهر التي مرت خلال مئات السنين الأخيرة في أوروبا والولايات المتحدة. فتقديم التيار الاسلامي الذي فاز في الانتخابات وأحيانا بشكل ساحق، وفي انتخابات حرة، تقديمه بأنه يرفض قيم الغرب هو طرح عاجز لا يجيد فهم الغرب ولا وفهم قيمه.

في البداية سأشرح بشكل مختصر الحركة التنويرية؛ والتي أحد أهم أعلامها هو الفيلسوف "عمانويل كانت"، والذي عاش في ألمانيا في القرن الثامن عشر، ولاحقاً سأشرح التيارات التي رفضت التنوير منذ تشكله وحتى يومنا هذا، وبعد ذلك سأشير إلى أن جزءاً هاماً من الحركات الاسلامية في المنطقة تستقي أفكاراً من حركات لا تنويرية غربية وتتعامل معها حتى وان أسسها مرتبطة بالاعتقاد الديني في الإسلام، لذلك فإن التحليل الصحيح لاحتمال تشكل ديمقراطية إسلامية يكون غير ممكن بدون فهم معمق لمصطلحات الديمقراطية بالمفهوم الغربي، وأيضاً بالمفهوم الحديث الذي يمكن أن نفكر به فيما يتعلق بالشرق الاوسط الحالي.

الترجيح بين المركبات الخاصة بالشرق الاوسط وبين اختيار المركبات العالمية للإنسانية أينما كانت هو حسم أيديولوجي بالأساس ولا يمكن توضيحه بواسطة أبحاث تاريخية أو ثقافية.

هذا المقال يفضل أن ينظر في الأحداث في الشرق الأوسط في اللحظة الحالية برؤية غربية وعالمية تلامس مسألة سيادة الانسان وحريته، بالتأكيد الأفكار المرتبطة بهذه المسائل طورت ما يسمى "الغرب" ولكن لأنها أفكار فلسفية فإنها لها صلة بكل أنحاء الكون، حتى وان كان هناك من يعتقد غير ذلك.



ما هو التنوير؟

حاول الفيلسوف "عمانويل كانت" أن يجيب عن هذا السؤال في مقاله "الإجابة على سؤال ما هو التنوير 1784" عرف " كانت" التنوير في مقاله، وبذلك قد حدد وعلى مدار الأجيال كيفية النقاش في هذا المصطلح، فقد كتب "التنوير هو خروج الانسان من الجهل الذي هو متهم به، والجهل هو عدم قدرة الانسان على استخدام عقله بدون توجيه الآخرين، (حاول ان تعرف) هذا شعار التنوير"، لم يتوقف " كانت" على الانسان الفرد، ولكنه قرر ذلك على المستوى المجتمعي "المجتمع بشكل كامل يتوصل بقدرته الذاتية الى التنوير، وهذا يمكن بالتأكيد اذا أتيحت له الحرية فهذا الأمر غير مستحيل، استخدام المجتمع لعقله يجب ان يكون حراً على مدار اللحظة، وذلك فقط يمكن أن يحقق التنوير بين بني الانسان"، " كانت" واضح جداً في تعامله مع الكنيسة حيث يقر بقدرة رجال الدين فرض انسجام أبدي غير معتمد على عقل الانسان، و ان "توحيد الدستور الديني امر واقع ، ويحظر التشكيك فيه بشكل علني، حتى طول حياة الانسان الواحد، وبذلك الغاء مراحل كاملة من التقدم البشري باتجاه التطور الذاتي؛ وبل اجتثاثها، وبذلك يحدث ضرر للأجيال القادمة وهذا الامر محظور بالتأكيد". وهكذا يتحدى الكهنة الدينيين وأيضاً السلاطين السياسيين رغم أنه يقلل من قدرتهم على الضرر بحرية التفكير وحرية التعبير للمواطنين والرعايا.

التنوير مرتبط ارتباطاً لا ينفصل عن الليبرالية السياسية، بمعنى منح الحريات الاساسية للمواطنين وبشكل خاص حرية التعبير العلنية، من المهم أن نشير أن " كانت" لا يدعو الى الفوضى السياسية بأن يمنح كل انسان ان يقرر بقدرته العقلية اذا كان يريد ان يدفع ضرائب أو يتجند للجيش أو يخضع لقانون الدولة؛ فهو يطالب بالخضوع للمواطنة الكاملة، وفي المقابل حرية تفكير لكل المواطنين، المجال العام هو المكان الذي تسيطر فيه العقلانية، ولكن المكان الذي يقوم فيه المواطن بوظيفة خاصة محددة كجندي أو كرجل حكومة أو كعامل عليه أن يخضع كي يحافظ على النظام الاجتماعي، الأمر مرتبط ارتباطاً وثيقاً بنظرته التقليدية، لا مجال لتفصيل أكثر حول هذا الموضوع في هذا المقال.

إذن التنوير كان في بدايته حركة ثورية تنادي بأن يعتمد الانسان على عقله عندما يبحث في الواقع الطبيعي وفي القيم الاخلاقية للإنسانية، التنوير مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالثورة البروتستانتية في القرن السادس عشر، التي تطالب المسيحي أن يفهم كتابه المقدس بذاته وفصل نفسه عن سلطة الكنيسة، وعن الاستثنائية التفسيرية للكتب المقدسة التي نسبوها لأنفسهم الكهنة الدينيين الكاثوليك.

تأثير آخر هو تأثير الثورة العلمية التي حققت انتصارات مهمة جداً بقدرة عقل الانسان وفهمه الموضوعي للطبيعة، التنوير في أساس الأمر لا يعترف بالسلطة الدينية، الالهية، الكنيسة أو السياسة لأنه يضع في مركز التفكير السياسي حرية الانسان وسيادته على جسده وعقله.

بالنسبة للإسرائيليين في أيامنا؛ فإن هذا المصطلح يبدوا تافهاً، لكن الأمر لا يتطلب العودة لسنوات كثيرة كي نذكر بأنه على طول أكثر التاريخ البشري لم يكن للإنسان سيادة على ذاته، ولم يكن له حقوق أو حريات أساسية، بني الانسان كانوا دائماً مرتبطين بسلطة البطريرك أو بالسلطة الاقطاعية أو الكنيسة أو جهات كثيرة أخرى، الذين حددوا لهم فيم يفكروا وكيف يلبسوا وأين يعملوا ومع من يتزوجوا وأشياء كثيرة هي اليوم مدرجة في القانون الأساس الممنوح للإنسان بأنها حقوق هو صاحب القرار فيها.

فكرة التنوير برزت مرة أخرى في ظل الحكم الجمهوري لبوش الابن، على سبيل المثال الادعاءات التي سمعت ضد فكرة التنوير التي أرادتها ادارة بوش الابن في بداية سنوات الـ 2000 مع حربه على صدام حسين، حيث يتضح من المقال الذي نشر في فبراير 2004 على يد الرائد ميخل والرائد الون الذيْن نادا ضد إعلان الناطق باسم ادارة بوش الابن بأن "قياس سوابق سياسية اجتماعية ثقافية تختلف عن تلك الموجودة في الشرق الاوسط على الشرق الأوسط مضللة الى حد بعيد". الكاتبان يقصدان أقوال النظام التي اعتمدت على التغييرات السياسية التي حصلت في شرق أوروبا والجنوب الأمريكي، بنسخها في الشرق الأوسط وبذلك يبرر الكاتبان التعامل الخاص والمتباين مع الشرق الأوسط على أساس ثقافة تميزه عن باقي مواطني العالم بشكل جوهري، الكاتبان خبيران في الشرق الأوسط، ويميزا مجتمع الشرق الأوسط بأنه "مشبع بالإيمان، وبالوظيفة السلطوية للقدر المكتوب من رأس الأمر منذ بداية حياة الفرد والمجتمع، وبذلك هو نفس الأمر بالنسبة للفرضية التي تقول "بحتمية التاريخ" ، الأمر الذي يدفع الانسان باتجاه السلبية ومنعه من التفكير بالتغيير في الواقع مستسلما لعقيدة الصبر والاحتمال في الشرق الأوسط . أكثر من ذلك، المجتمعات في العالم الاسلامي تعطي اهتماماً واضحاً للأفضلية الجماعية على حساب الفكرة الفردية السائدة في الغرب.

الرائد ميخال والرائد الون يدعيان فرضيتيْن مختلفتيْن: الأولى ترتبط بالسلبية، سلبية المجتمع العربي الذي لا يتخذ أي اجراء ضد الأنظمة الفاسدة بسبب اعتقاد ما (الوظيفة المسيطرة للأجل)، الفرضية الثانية، والتي ليس لها ارتباط وثيق أو سببي بالأولى، وتفترض تغلب الجماعية على الفردية، بالتأكيد يمكن أن تفضل الجماعية على الفردية، وتبقى إمكانية الاعتراض الجماعي على النظام الفاسد كما حصل مؤخراً في عدة دول عربية، الفرضيتان اللتان يتحدث عنهما الكاتبان غير مرتبطتان ارتباطاً ملزماً ببعضهما البعض.

خلاصة مقالهما:

- يراهنون ويدعون بأن الولايات المتحدة والغرب قلقين من الأحداث في الشرق الأوسط، ومستعدون للتعامل معها بشكل عاجل أكثر من استعدادية أبناء المنطقة لفعل ذلك في هذه المسائل.

- غياب الديمقراطية، التطرف والارهاب، ضعف المجتمع المدني، الارتباط غير الوثيق بالدولة القومية، الفقر والفجوات، الوضع المتدني للمرأة، كل هذه تبدو كمشاكل مزعجة للغرب وتهدد استقراره أكثر مما تهدد أبناء الشرق الأوسط، ليس ذلك فقط؛ بل أكثر مجتمع الشرق الأوسط لا يتعامل مع هذه المشاكل بنفس مستوى الخطورة كما في الغرب، بل أحياناً وهكذا يبدو، لا يراها كمشاكل.

ويبدو أن قراءة هذه الفقرات عام 2012 لا تترك مكاناً لشك في المجتمع بالشرق الأوسط.

المجتمع في مصر وفي تونس وفي سوريا ودول أخرى يرون مشكلة الفقر والفساد ومكانة المرأة كمشاكل أساسية خرج من أجلها إلى الشارع وعرض حياته للخطر، ويبدو أنه يفضل الجماعية على الفردية، ولكن لا يوجد أي تطابق بين هذا وبين الاستسلام للقدر ولا أي جزء من التطابق.



اللاتنويريين / حركات في زمن التنويريين

بالنسبة للذين عاشوا في دول ديمقراطية علمانية وليبرالية مثل إسرائيل؛ فان وصف التنوير السابق يبدو واضحاً ومفهوما من أساسه، حقوق الفرد، حرية التعبير، الليبرالية، والديمقراطية تبدو واضحة.

مصطلح التنوير يبدو في اللغة العبرية كمصطلح كله إيجابية، ولا يوجد من يعلن عن نفسه بفخر لا تنويري، ولكن لحركات التنوير كان هناك رافضين كثيرين على مدار السنوات منذ بداية نموها وحتى يومنا هذا، أكثر المعترضين كانوا جزء من الثقافة وتربوا في دول غربية، الحركة الاكثر تأثيراً على رافضي التنوير كانت الحركة الرومانسية، والتي كان أساسها النظري ان عقل الانسان مقيد ولا يستطيع اكتشاف كل أسس الطبيعة والوصول الى توافق أخلاقي عالمي، على عكس حركات رئيسية استمرت في رفضها الفكرة التنويرية على اساس سيادة الإله على العالم، على أساس الفرضية بخصوص قيود بني الانسان.

تيار مهم رفض التنوير والليبرالية وواصل تأثيره حتى اليوم على الفكر السياسي في أوروبا والولايات المتحدة كان التيار المسمى "مدرسة فرانكفورت"، وهي مجموعة مفكرين ماركسيين جدد بدأوا نشاطهم قبل الحرب العالمية الثانية في فرانكفورت، وأكثر أعضائها تركوا ألمانيا وهاجروا الى الولايات المتحدة أثناء الحرب، تميز فكرهم بالسلبية والتي تنبع من أسس ماركسية وأيضاً من تجربة الكارثة التاريخية التي حلت باليهود، واستخدام السلاح الاوتوماتيكي ضد مواطنين في اليابان.

قيادة هذه المجموعة كانوا ماكس هوركهايمر وثيودور ادورنو، عملت هذه المجموعة في البحث الاجتماعي المعمق للمشاكل الاجتماعية في المجتمع الغربي في زمنهم.

مقال "مصطلح التنوير" بدأه هوركهايمر هكذا:

التنوير بالمعنى الواسع أي التفكير المتقدم وجد لهدف واحد،" وهو سحب الخوف من الانسان وجعله سيداً"، ولكن الكرة الأرضية سحرت بتتويج الكارثة. هكذا يشير هوركهايمر للمشكلة الأساسية التي تعامل معها رجال مدرسة فرانكفورت، الثقافة التي احتلت العالم الغربي، وحين كانت من المفترض أن تقود الى مكان أكثر عدلاً، فتأتي أنظمة ديكتاتورية وحروب عالمية نهايتها كارثة استخدمت فيها التكنولوجيا التي طورت بعقل الانسان الى قتل ملايين المواطنين الأبرياء، القتل الأكثر خطورة الذي عرفه التاريخ البشري.

التنوير على حد قول هوركهايمر حول التكنولوجيا إلى أداة يسيطر بها على الانسان وعلى العالم، والثورة الصناعية حولت العلم لأداة وظائفية فقط، المنقطعة عن التطلع الاساسي للبحث عن الحقيقة.

صكوك العلم والتكنولوجيا سمحت لتناقضها مع عالم الاخلاق، وهكذا سمحت لاستغلالها مصلحة القتل الجماعي. وهكذا فالسيطرة على الطبيعة قادت الى تناقض الانسان مع الواقع. هناك مصطلح اساسي في التفكير الماركسي والفرويدي، وهو ان (التناقض يمنع استقامة الانسان) على عكس التطلع "الكانتي"، ينهي هوركهايمر مقاله بتحديد "التنوير يجعل استخدم الحاضر يتحول لاستغلال كامل للبشر".



الربيع العربي، هل بقي هناك مكان للتفاؤل؟

بدون شك؛ حركة الاخوان المسلمين وحركات دينية أخرى – مسيحية ويهودية ومسلمة على حد سواء – تؤمن بأن الانسان ليس سيداً على نفسه، وأن أوامر الاله والكتب المقدسة تلزم الانسان وتقيده في نمط حياته، النظرية الدينية بتفسيرها للكتب المقدسة تقرر ان هناك طبقات مخفية عن الواقع تقتضي بأن عقل الانسان، العلم، والتكنولوجيا لن يستطيعوا قبول امكانية التحكم والسيطرة على الاستقامة باعتماد العقلانية الانسانية فقط، على عكس أفكار "الكانتيين".

حتى العالم العربي والتطلع لتكوين عدالة على الارض تتطلب لدى الاخوان المسلمين اعتماد على الدين وعلى الكتاب المقدس وتفضيلهم على قانون البشر، بهذا الفهم تقترب حركة الاخوان المسلمين الى حركة الا ليبرالية الغربية، والمعروفة بتأثيرها الكبير على مفكرين غربيين وأمثال هؤلاء الاخوان مثل تأثيرها على التفكير الشيعي في الثورة الاسلامية في إيران، إذا كان كذلك فمن المهم جداً ان نفهم ما يمكن أن نتوقعه من حركة اسلاميين وما لا يمكن أن نتوقعه.

المصطلح الغربي لليبرالية والتنوير يشير الى سيادة الانسان وحريته، ومن هنا يجب أن يرفض من قبل حركة تحمل راية القيم الاسلامية والشريعة، يجب أن نتذكر الحقيقة التاريخية الواضحة وهي أن مؤسسو الحركة استمدوا بعض التأييد من الحركة الفاشية في بداية القرن الماضي، ولكن على حد فهمي أيضاً حركة الاخوان المسلمين مرت بتغييرات في القرن الماضي، وقيادتها الحالية تتعامل مع تحديات مختلفة تماماً عن تلك التي كانت أمام المؤسسين في القرن العشرين، على سبيل المثال مصطلحات الديموقراطية بمعنى قرارات الشعب أو بالمعنى البسيط لإعداد الانتخابات كل عدة سنوات لا يتعارض فقط مع قيم الدين التي آمن بها المؤسسون للإخوان المسلمين ومن بينهم الرئيس المصري محمد مرسي، بهذا الفهم وفي ضوء الشكل الذي أعلن المجتمع العربي فيه عن نفسه وتدافعه في الساحات في العامين الاخيرين يمكن أن نميز بشكل عميق ان في أوساط الاخوان المسلمين هناك تبني لمصطلحات ديموقراطية رغم الاساس الديني للحركة الإسلامية.

بالتأكيد هناك مكان لخلق عدالة اجتماعية حسب رؤية الحركة، ولهذا الهدف قامت بتوجيه أعضائها من أجل تحقيقه قبل وصولهم للسلطة في اطار نشاطهم في الدعوة والتي جعلتهم يكتسبون احتراماً شعبياً، وبشكل خاص في ضوء فشل السلطة الديكتاتورية السابقة والفساد العميق الذي استشرى فيها، من المهم أن نتذكر أن " كانت" أيضاً يضع قيود على حريات المواطن الالماني ويلزمه بالخضوع لقانون الدولة (كما عرف في نهاية القرن الثامن عشر قبل تشكيل الديمقراطية البرلمانية في الدولة كباقي العالم)، جوهر الحقيقة ان حكومات معينة تضع قيود على مواطنيها، ان كانت دستورية أو غير ذلك، لا يمنع تشكل الديمقراطية بالمفهوم الاساسي للانتخابات وتداول السلطة و الحقوق الاساسية والمساواة.

بعدما وصلت الاحزاب الاسلامية الى السلطة في العديد من الدول العربية؛ تسابق أكثر المحللين الاسرائيليين الى رثاء الربيع العربي، هؤلاء المحللين لديهم نزعة لنفي احتمالية تشكل مجتمع وسلطة ديمقراطية في الدول العربية بعد (وفي جزء من الدول قبل) الثورة على السلطة والاطاحة بالأنظمة السلطوية والديكتاتورية، هذا كان واضحاً في المقال الذي نشره العميد احتياط ميخال، حيث تكرر ادعائه وفرضيته الاساسية فيما يتعلق بتباين المجتمع في الشرق الاوسط عن باقي مجتمعات العالم، أيضا وفي هذه المرة هاجم الكاتب الاصوات المتفائلة التي تصف الشرق الاوسط الجديد بأنه منطقة تتشكل قيادتها من شباب متحضرين ويتبنون ثقافة الغرب ومتحركين بقوة الافكار الليبرالية والديمقراطية ويعملون ضمن الشبكات الاجتماعية، وبخصوص هذه العبارات يفرق الكاتب بين السير خلف الثقافة الغربية بالمعنى الليبرالي وبين الامل والافق الايجابي للشرق الأوسط .

من المفهوم بمكان ان القوى الاسلامية التي لا تسير خلف الثقافة الغربية لن تستطيع ان تقود الى افكار ديموقراطية، ومع ذلك فإن العميد احتياط ميخال يجيد شرح المشكلة التي تتعامل معها الحركات الاسلامية عند محاولتها تشكيل النظام السياسي الجديد وتعاملهم مع متطلبات الشارع للحقوق الاساسية والحريات، يعود ويشرح بشكل صحيح على حد رأيي احتمالية تشكل نظام ديمقراطي، ولكن ليس ليبرالي، وبهذا المفهوم تقبل فكرة حكم الشعب، ولكن حقوق الفرد التي تتعارض مع الشريعة الاسلامية يكون هناك تناقض معها، فرضيتنا الاساسية في هذا المقال انه لا يمكن ادعاء فرضية معيارية بأن الاخوان المسلمين لا يمكنهم تطبيق الديمقراطية في النظام السياسي، وبالذات تمكين الانتخابات الحرة التي قد تؤدي الى خسارة الحركة في الانتخابات ونقل السلطة الى حركة سياسية أخرى (علمانية لليبرالية مثلاً)، لا يمكن أن نتوقع بأن الحركة تقرر العمل بالسياسة الليبرالية العلمانية من ذاتها بالمفهوم العميق للتنوير كما شرحنا سابقا، الحركة الاسلامية لا تؤمن بسيادة الشعب وبتحقيق العدالة والتقدم بالشكل الكانتي الذي يشجع نشاط الانسان بقدرة عقله فقط، النفور العميق الذي ينسبه العميد ميخال في استخلاصاته للحركات الاسلامية هي من الغرب المتنور العلماني والليبرالي، ولكن كما شرحت سابقاً وجدت على مدار مئات السنين حركات كثيرة ومختلفة من الغرب نفسه كانت متنافرة أيضا من مصطلح التنوير بالمفهوم الكانتي البسيط، جزء منها تحولت الى حركات ديكتاتورية تنافرت مع أفكار الديموقراطية الغربية (مثل الحركة الفاشية في العقود الاولى من القرن العشرين) ولكن جزء منها تطبق منذ سنين الافكار الديموقراطية (مثل اكثر الحركات الاشتراكية الديمقراطية التي تفضل القيم الجماعية على حرية الفرد).

بالتأكيد؛ التجربة الايرانية هي سيئة في إطار امكانية تحقيق الديمقراطية الاسلامية (على الرغم من أن هناك حوار متواصل فيما يتعلق بعلاقة الديمقراطية بالشريعة الاسلامية)، ولكن هناك محاولات جيدة في إطار ادارة النظام (على سبيل المثال تركيا).

نمو الطبقة الوسطى وقوة التعبير الجماعية (كما عبر عنها في الساحات في الدول العربية في السنتين الاخيرتين) قد تثبت ان الحركات الاسلامية يمكن ان تؤقلم نفسها مع أنماط ديموقراطية فيما يتعلق بالسياسات الداخلية، حتى لو كانت هذه الانماط غير متنورة وليبرالية بالمفهوم الذي عرفناه في هذا المقال.

سقوط النظام في تونس بعد قتل قيادة المعارضة هي مثال واحد، وتراجع مرسي عن تحقيق اصلاحات معينة بسبب ضغط الرأي العام والسلطة القضائية هو مثال ثاني.

رأي اخر مشابه لرأي العميد ميخال يمكن ان نجده في مقال البروفيسور آشر سيسر؛ حيث يشير الى أن (المجتمعات في الشرق في جوهرها ليست علمانية، والجمهور فيها يعطي أهمية كبيرة للاعتقاد الديني) أيضاً هو يرفض فكرة استبعاد ربيع الشعوب التي جرت في أوروبا في القرن التاسع عشر وقياسها على الربيع العربي في أيامنا، ويشدد على التفرقة الثقافية بين الشرق والغرب، سيسر يشير الى أن هناك فجوة بين توقعات المراقبين لتطبيق أنظمة ليبرالية علمانية على انقاض الانظمة القديمة وبين الواقع الذي تشكل مؤخراً، سيسر يغضب من التيارات الـpost modern (ما بعد الحداثة) في الغرب التي تتحدى "حجر الأساس في التفكير العقلاني للتنوير الحديث" وبهذا يصبح سيسر يمثل نخبة الموقف المتنور والتي تبارك سلطة عقل الانسان عن أي مصدر معرفة آخر (الهي او جماعي).

حسب موقف سيسر في هذا المقال فإنه يخلط بين الديموقراطية في الدول العربية وبين كونهم انظمة حديثة ليبرالية ومتنورة، وهو يحتفظ بالفرضية الغائبة والتي تقول ان الحركات الاسلامية لا تقبل التنويرية الليبرالية، حيث لن يقبلوا بدعم خلق نظام ديمقراطي على أنقاض الانظمة الديكتاتورية. وبالتالي فإنه يشرح الجدل الذي نما في مسألة الربيع العربي بين هؤلاء الذين رأوا ان الشرق الاوسط يقف أمام طوفان اسلامي وبين هؤلاء الذين يدعون ان الديموقراطية الشرق أوسطية الجديدة تتشكل أمام أعيننا، وهكذا يفترض سيسر بدون ان يدافع عن هذه الفرضية بأن الطوفان الاسلامي متناقض بشكل جوهري مع الديموقراطية، وهذا يتعارض مع الفهم العميق بأن اسلام الاخوان المسلمين يرفض فكرة التنوير ولكن ليس بالذات الديموقراطية، سيسر يعلن أسفه على موت العملية العلمانية في الشرق الاوسط حيث يفترض – ومرة أخرى وبدون أن يثبت ذلك – ان بدونه لا يمكن ان تكون ديمقراطية في الشرق الأوسط، وبالنسبة لسيسر فإن الغرب هو الغرب العلماني الليبرالي، وكل الحركات التي ترفض التنوير ولأسباب عميقة، وهي من تحت عباءة " كانت" لا تعتبر غرب حسب سيسر.

على الرغم من أن سيسر يذكر، وبدون توقف، بالتيارات التي رفضت التنوير في الغرب؛ يبدو أنه لا يستطيع أن يتحرر من التشخيص ذو البعد الواحد للديمقراطية في النظام العلماني المتنور حسب النمط في الثورة الفرنسية. سيسر الذي يؤكد ويشدد على خصوصية الشرق الأوسط لم يستطع أن يزن بعقلانية احتمالية تشكل ديموقراطية معتمدة على الاسس الدينية ولا ترفع راية سياسة الانسان الفرد. كيف ترى ديمقراطية كتلك؟ بالتأكيد احد الاحتماليات انها ديمقراطية اسلامية تتغذى من الشريعة وتقيد جزء من حقوق الفرد المقبولة على الديمقراطية الليبرالية (على سبيل المثال في مسائل الاحتشام وعلاقات الرجل بالمرأة)، ولكنها تسمح بانتخابات حرة وتحافظ على الفصل بين السلطات وحرية التعبير وحقوق الأقليات، بالذات الربط بين ارادة الشعب والحريات والديمقراطية وبين المجتمعات المحافظة المعتمدة على أسس الاسلام يمكن أن تنتج اصلاحا في النظام الاخلاقي للإسلام و(عدم تشكيل علمانية ولكن الصبر الكبير على الاقليات وحرية التعبير على سبيل المثال) وبتشكيل ديموقراطية مناسبة أكثر لمجتمع وثقافة الشرق الاوسط .

يخيل بأن النظر الصحيح في أسس الديموقراطية والتنوير والتدقيق العميق في المصطلحات السياسية في الفلسفة السياسية الغربية بكل انماطها تسمح للمحللين بوضع احتمالات يمكن ان تطور مستقبل الشرق الاوسط المتشكل امام أعيننا، هذه اللحظة تستوجب صبر أكثر وحذر أكثر عندما نحاول ان نقدر مصير الثورات التاريخية التي تعصف بالشرق الاوسط في هذه الايام.

الاسلام السياسي ليس معناه في الشرق الاوسط ضياع احتمالية الشرق الاوسط في منطقتنا، هدف هذا المقال ليس وصف المستقبل في الشرق الأوسط، وانما تحذير المحللين من اتخاذ مواقف مسبقة تقرر مستقبل المنطقة، بدون تدقيق في الاحتماليات الجديدة مثل تشكل ديموقراطية اسلامية بألوان متعددة.



المراجع

1. عزمي بشارة (1997) (محرر) "التنوير – مشروع لم يكتمل"

2. الرائد ميخال والرائد ألون (2004) "التفاؤل الأمريكي والتشاؤم في الشرق الأوسط"

3. العميد احتياط ميخال (2012) "صعود الموج الأخضر – صعود التيار الإسلامي في ظل التأرجح في المنطقة وأثره على إسرائيل"

4. أشر سيسر (2012) "المحافظة والحداثة في الربيع العربي"

5. مواقع انترنت

Adrian Levy and Cathy Scott Clark, “War Games,” The Guardian, December 8, 2007

http://www.guardian.co.uk/world/2007/dec/08/iran.cathyscottclark

يوئاف روزنبرج - مركز دراسات الأمن القومي
 

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 10-02-2014آخر تحديث