نتنياهو لا يريد ... وإن أراد لا يستطيع !!

أطلس للدراسات
 

حالة من الجدال الحزبي والسياسي أقرب الى المناكفة والصراع والاصطفاف؛ تؤثر بشكل قوي هذه الأيام على المشهد السياسي الإسرائيلي، لها علاقة بالجدل الدائر حول إطار كيري المنوي عرضه في الأسابيع القادمة، هذا الجدل انعكس أيضاً على وسائل الاعلام التي بدورها تريد خدمة أجندتها في التسويق السياسي لبرنامج أو لأشخاص.

خطة كيري التي على ما يبدو ستتضمن ذكراً لخطوط الـ 67، بغض النظر عما تمنحه لإسرائيل، تثير عاصفة من النقاشات وتشكل تحدياً جدياً لصقور اليمين وفي مقدمتهم صقور "الليكود"، دفع يعلون لتوجيه انتقادات حاده لكيري ولدوافعه، وفي "البيت اليهودي" أحد أحزاب الائتلاف الحاكم بدأوا في استعراض قوتهم البرلمانية في تلميح واضح بتهديد استقرار الائتلاف؛ الأمر الذي بدأ في تحريك مياه راكدة، فعادت الأجندة السياسية للأحزاب بعد أن اختفت عن أولوياتها لفترة طويلة من الوقت لصالح أجندات اجتماعية واقتصادية، وأصبح وكأن الموقف من ورقة كيري المزعومة تشكل حلبة المنافسة والاستقطاب الحزبي الأكثر أهمية على ما سواه.

يتبارى رؤساء وممثلي الأحزاب في استعراض مواقفهم من خطة كيري الرافضة أو المؤيدة، وفي حث نتنياهو على قبولها أو رفضها مستخدمين كل أسلحتهم بما فيها الأمن والاقتصاد، فالمريدون يميلون إلى توظيف المقاطعة، وتهويل مخاطرها المستقبلية، وشدة عزلة إسرائيل، ومخاطر الصدام مع الولايات المتحدة، واستغلال نافذة الفرصة الأخيرة، وظروف ما يزعمون أنه تقارب بدأ يتشكل بين مصالح اسرائيل ومصالح المحور السني المعتدل في مواجهة ما يعتبرونه العدو المشترك المتمثل في إيران.

بالمقابل؛ ينبري الخط الرافض المتشدد ضد خطة كيري في التصدي لها عبر التهويل من التهديدات الأمنية، وعبر التشكيك في نوايا وجدية الشريك الفلسطيني من جهة، وفي تقليل من حجم المخاطر الفعلية للمقاطعة، وفي الاستناد إلى أن اللاسامية الغربية هي أصل الداء أصل المقاطعة، وأن السبب الفلسطيني هو مجرد ذريعة، وتعتبر هذه المجموعة هي الأكثر وزناً وفعالية، حيث ينتمي إليها معظم وزراء "الليكود" وأعضائه البرلمانيين، بالإضافة لحزب "البيت اليهودي" وأعضاء من حزب ليبرمان.

أما ليبرمان نفسه الفاشي العنصري الكاره للعرب والمعروف بفظاظة أقواله؛ فأصبح يوصف في الاعلام الاسرائيلي بالعاقل الراشد، بعد أن كان ايفان الرهيب أو المهدد، فهو على غير ولايته السابقة في وزارة الخارجية في عهد هيلاري كلينتون التي فرضت عليه آنذاك مقاطعة رداً على تصريحاته الرافضة لأنابوليس والمنتقدة لمبدأ التسوية مع الفلسطينيين؛ فهو اليوم الأكثر تحمساً لورقة كيري، والأكثر تودداً ودفاعاً عنه، كما أن تصريحاته باتت تلقى إعجاباً كبيراً في الخارجية الأمريكية، ويلقى الكثير من الثناء والاهتمام من كيري شخصياً.

المراقبون في إسرائيل يميلون لتفسير ما يزعمون أنه تغيير كبير في مواقف ليبرمان بأنه ردة فعل إيجابية على احتضان كيري له منذ أن عاد لوزارة الخارجية، وآخرين يعتقدون أنه رغم فظاظته فهو في النهاية سياسي برغماتي من الطراز الأول يتغير ويتبدل حسب مصالحه الحزبية، وربما يمهد لبناء عناصر زعامته لتيار المركز الذي يأتي من بين ممثليه رئيس الحكومة القادم، أو أنه أراد أن يعزز نتنياهو داخل حزبه، لكننا نعتقد أن الأهم من بين كل تلك الدوافع، وإن كانت معقولة الى حد ما، فإن الدافع العنصري هو الأقوى، فالعنصرية لدى ليبرمان هي الأيديولوجية الأساس في تشكيل مفاهيمه ومواقفه السياسية العنصرية وليست الأرض، وليس أشد عنصرية من تصريحه أول أمس أن وحدة الشعب أهم من وحدة الأرض، فهو لا زال يقاتل من أجل الدولة النقية قدر الامكان من العنصر العربي، التخلص من جزء كبير من العرب هو جوهر أيديولوجيته، وهو اليوم يعتقد أن نظريته العنصرية التي كانت منبوذة وغير واقعية لسنوات طوال تجد فرصتها الكبيرة اليوم للتحقق، فهو يحث كيري بقوة على تضمين ورقته، ما يشير إلى تبادل أراضٍ يشمل منطقة المثلث بسكانها العرب، وليبرمان يعتبر ذلك شرطاً لا بد منه لموافقته على خطة كيري، ومما تم تسريبه أن الأمريكان لا يرفضون نقاش الأمر من الناحية المبدئية، وهناك من قال أنهم رحبوا به بقوة.

كيري وفريقه، وعلى رأسهم سفير أمريكا الأسبق في تل أبيب مارتن انديك، يدركون حجم الصعاب التي تواجه توجهاتهم داخل الشارع والأحزاب الإسرائيلية، فيحاولون بأنفسهم تفكيك وحلحلة هذه العقبات عبر تكثيف اللقاءات، واجتماعات الاستماع والنقاش والاقناع مع كل القيادات السياسية والأمنية، حتى إن كيري يفكر في توجيه خطاب مباشر للإسرائيليين يحدثهم فيه عن مخاطر استمرار الأمر الواقع، وعن التزام أمريكا والتزامه شخصياً بأمن اسرائيل.

بيد أن كل هذا الحراك لا يبدو ذي قيمة كبيره جداً أمام اللاعب الأول والساحر البهلوان نتنياهو؛ فهو رسمياً صاحب القرار، لكن هل يملك حقاً أن يقرر بما يخالف مواقف حزبه "الليكود"؟ وهل حقاً غير نتنياهو قناعاته لصالح التفاوض على أساس حدود 67؟

نتنياهو لا زال على ذات المواقف في كل ما يتعلق بقضايا التسوية النهائية، ويمكن قراءة توجهاته عبر تصريحاته الأخيرة التي تعطي مؤشراً واضحاً عن حقيقة الدويلة التي يوافق على منحها للفلسطينيين المرهونة باشتراطات ومطالب تعجيزية، وفي مقدمتها الاعتراف بيهودية الدولة.

بيد أن كيري قال في أكثر من مناسبه أنه سمع من نتنياهو كلاماً مشجعاً، وانه على استعداد لتقديم تنازلات مؤلمة في سبيل السلام، لكن كيري الذي يريد أن يسوق بضاعته لا يريد ولا يرغب أن يرى الصورة كاملة، فهو يركز على ما يبعث التفاؤل والأمل، ويتناسى ويغمض عينيه عن الحقائق، حقيقة أن نتنياهو يتلاعب به، بالكلمات، والمفاهيم أحياناً، وبالشروط، وبالتفاصيل أحياناً أخرى، حقيقة أن نتنياهو لا يريد وغير مستعد للقبول باتفاق حتى لوكان بمقاييس أمريكية، وهو على فرض أراد لا يستطيع تمريره داخل حزبه وحكومته.

 

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 10-02-2014آخر تحديث