الدورة 64 لمهرجان برلين السينمائي - برلين: قيس قاسم
 

تشي القراءة الأولية في مسابقة أفلام الدورة ال64 لمهرجان برلين السينمائي بغياب الأسماء الكبيرة عنها، في العموم، ما يطرح أسئلة حول قدرة المهرجان على استقطاب المخرجين الكبار، سيما وهو المتنافس من حيث الأهمية مع مهرجان "كان" الذي يتسابق الكبار عليه قبل غيرهم، هذا في جانبه الإبهاري التجاري الذي لا يوليه برلين كثيراً من اهتمامه بسبب طبيعته كمهرجان شعبي موجه الى الناس، عكس كان النخبوي، الى جانب ما تعطيه اكتشافاته من تميز اضافي يكمن في بروز أفلام مهمة لمخرجين غير معروفين كثيراً لكنهم يقدمون منجزاً سينمائياً غاية في الأهمية كما لاحظنا في العام الفائت حيث أزدحمت بأفلام أصحابها أغلبيتهم من أوربا الشرقية، وربما سيتكرر هذا الشيء في الدورة الحالية، وقد تظهر أفلام لأسماء غير معروفة، وهذا كله سيبقى طبعاً في موضع التخمين على الأقل في الأيام الأولى منه، التي شهدت فيلم افتتاح مهم جداً للمخرج ويس أندرسون، صاحب الأسلوب السينمائي الخاص وعنوانه "فندق بودابست الكبير"، وفيه يعالج صاحب فيلم "مملكة بزوغ القمر" موضوعاً يتعلق بالأبداع الكتابي.

والسؤال الملحاح حول الكيفية التي يكتب بها المؤلف حكايته؟ اجابة أندرسون على السؤال كانت سينمائية مكثفة صيغت باسلوب مرح، ارتكن على خيال مفتوح يسمح بإستخدام وسائل تعبير بصرية متعددة، تقربه من حكايا الأطفال ويتضمن أفكاراً غاية في العمق تتعلق بالموهبة والموقف من القضايا الإجتماعية والسياسية حين صنع لنفسه عالماً خيالياً غير محدد الجغرافية مع ان اسم الفندق يجره الى موضع ثابت فخيال مؤلفه يعمل بالضد فينقله من حيز الى الى آخر ومن طبيعة سردية الى ثانية مختلفة وكأننا أزاء حكايا ما قبل النوم، أو أمام عمل سينمائي قال أشياء كثيرة بروح مرحة فكك خلالها الزمن وأدخلنا في عالم منفلت الحدود يقبل أضافة حكايات لا حصر لها على الحكاية الأولى في محاولة فلسفية لتفسير معنى الكتابة وكيف يصوغ الكاتب روايته ويروضها وفق ما يريد ومتى شاء. على مستوى ثانٍ تدخل الأفلام ألمانية المسابقة بقوة، مع أن أثنين منها، عرضا في اليومين الأول والثاني، لم يكونا في مستوى ما كان منتظراً من مشاركتها وهما: "جاك" لأدوارد بيرغر الذي تناول موضوعاً اجتماعياً حساساً يتعلق بالطفولة والأمهات الوحيدات وغياب الأب عن العائلة، بطله طفلان قدما منجزاً تمثيلياً هائلاً، وهما من حملا على أكتافهم الفيلم. أما الثاني فعن الشاعر الكبير شيللر وعلاقاته مع كبار أدباء المانيا خلال القرن التاسع عشر. مشكلة فيلم دومنيك غراف "حبيب لأختين" أنه طويل أكثر مما ينبغي لفيلم سيرة. أغرق في التفاصيل وأتعب صوت المعلق على الأحداث التاريخية مشاهده، مع أن فيه من البحث البصري الكثير والجهد في الاحاطة بعالم واحد من أكبر شعراء ألمانيا، وعلاقته العاطفية التي أنعكست خلالها مرحلة مهمة من مراحل تاريخ الإبداع الألماني، وحركاته التحررية على مستوى الفلسفي والأدبي، على عكس ما جاء في فيلم "رجال الآثار" الأمريكي خارج المسابقة، الذي دخل مرحلة الحرب العالمية الثانية عبر تجربة حقيقية، كتبها المؤرخ روبرت اتسيل لكنها صيغت سينمائياً بخفة شديدة لم يفلح معها وجود جورج كلوني على رئس فريق عمل ضم أسماء ممثلين أمريكان كبار، بل برهنت التجربة ان المعالجة السينمائية الجادة هي من يحسم الأمر، لا الأسماء الكبيرة ولا صحة الحكاية نفسها كما رأينا في عمل كلوني حين صار مخرجاً، وأراد تسجيل منجزاً أمريكياً تاريخياً بطريقته الأمريكية أيضاً، فظهر الأمريكان كالعادة المنقذين الملائكة، متجاهلاً أدوار شعوب لعبت دوراً حاسماً في دحر النازية وأن اراد كلوني أن يحدد مساحة فيلمه بالمجموعة المختصة بالأعمال التشكيلية والنحتية التي أوكلت اليها مهمة انقاذ التراث الانساني الابداعي من الحرق والدمار التي أراد أن ينهي هتلر بها خاتمة حياته وحلمه الجنوني، لكنها ومع كل التبسيط الذي جاء في الفيلم، وعلى عكس الأسلوب السردي الهوليوودي المشوق في أغلب الأعمال التجارية، خلا من عنصر الاقناع فجاء هزيلاً مسطحاً، لدرجة لا تعطي للمهرجان فرصة لتبرير اشراكه في عروض الدورة مع فهم المعنيين بالحقل السينمائي الى الحاجة لوجود أسماء لامعة تلمع واجهات المهرجانات الكبيرة وتسلط الضوء قوياً على نجوم يريد الناس الاقتراب منها خلال أيام المهرجان.

في درجة مقاربة تبدو حكاية الرجل المسلم، في فيلم رشيد بوشارب "رجلان في المدينة" غير مشبعة درامياً، وكأنها الصقت عنوة برجل أسود دخل السجن لأسباب جرمية ولم يتعرض الى ضغط الشرطة حين خرج من السجن لكونه مسلماً بل لموقف اجتماعي مسبق من كل الذين يدخلون السجن ولا يسمح لهم بالتكيف مع العالم الخارجي ثانية، ولا تسمح أجهزة الشرطة لدورها غير التربوي بقبوله كشخص أخطأ ودفع ثمن خطأه، بل تعامله كمجرم منبذوب عليه العودة الى السجن ثانية. الغريب أن بوشارب لم يعمق شخصيته وفق ما تتعرض له من ضغط بسبب الموقف من الاسلام، كما يجري اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية وبخاصة بعد الحادي عشر من سبتمبر، بل ترك الأمر مفتوحاً على افتراض مسبق بأن المشاهد سيعطيه من عنده ما يحتاج أن يعطيه البطل من مواقف وأفكار، حين يجسد دور شخصية ما على الشاشة أمام المشاهد. في النهاية وبغض النظر عن أهمية الموضوع المختار تناوله فأن ما مجسد أمامنا على الشاشة جاء مفككاً، وغير مقنع، لدرجة تساءل النقاد بعد خروجهم من صالات العرض عما أراد الفيلم قوله، وهل كان إلزاماً على صانعه أن يلصق صفة المسلم ببطله مادامه لم يبرر سينمائياً فكرته في الأساس?.

 

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 12-02-2014آخر تحديث