فحم أسود، جليد رقيق"..الفيلم الفائز بدب برلين الذهبي - زياد عبدالله
 

القول إن القتل والقتلة موضوعان هيمنا على أفلام عديدة حملتها الدورة 64 من برلين السينمائي، يعززه كون الفيلم الفائز بجائزة الدب الذهبي التي أعلن عنها بالأمس يندرج في هذا السياق، أي فيلم المخرج الصيني دايو يانان "فحم أسود، جليد رقيق" Black Coal, Thin Ice، إلى جانب فيلم اليوناني يانس أكونوميدس "ستراتوس"، وفيلم النرويجي هانس بيتر مولاند "وفق تسلسل الاختفاء".

لكن إن كون هذه الأفلام عن قتلة يقودنا إلى أنها أيضاً تسعى لأن تقاربها وفق إرث سينمائي مديد في هذا السياق، والسعي لقلب تقاليده، وإعادة تقديمها في سياقات تسعى لأن تكون جديدة، كما هي العصابات ومكونات القاتل ودوافعه وطرائقه وبالتأكيد السرد في "وفق تسلسل الاختفاء"، وهذا يمتد إلى القاتل المأجور في "ستراتوس" ، أما فيلم يانان (صاحب الدب الذهبي) الذي أتناوله هنا فعلى اتصال معهما، لكن في سياق إعادة مقاربة "فيلم نوار" Noir Film، وليتأسس الفيلم حول جريمة غامضة مع ظهور أعضاء بشرية في شاحنات محمّلة بالفحم، وهي أعضاء موزّعة بحيث أن الجثة نفسها تكون مقطعة ومقسمة على عدد كبير من معامل الفحم الحجري في مقاطعة صينية بحيث يصعب لمّ أجزائها والتعرف عليها، ومن هنا سينطلق الفيلم نحو متاهات بوليسية مشوقة ولغز محيّر يتكشف رويداً من خلال شخصية الفيلم الرئيسة زانغ زيلي (لايو فان) الذي يعمل حارساً في معمل الفحم، لكنه هو من يكتشف اللغز ومن خلال زوجة أول ضحية، لنكون حيال قصة حب غريبة متشعبة، فالقاتل لن يكون إلا الزوج الذي يعتبر في البداية أنه الضحية، وهو يقوم بقتل كل من يحب زوجته أو يفكر بالاقتراب منها.

أهم ما في الفيلم الآلية السردية التي اعتمدها، فهي قادرة دائماً أن تنعطف عن المسار الرئيس للفيلم ومن ثم العودة إليه، وهذه الانعطافات ستكون مفاجئة، تصدم المشاهد وتعيده مجدداً إلى متابعه اللغز، وتطور الشخصيات وبالتالي اكتشافها، والحيز المكاني الذي تتحرك فيه يتخللها الثلج، والتزلج على الجليد كما سيكون عليه القاتل الذي سيقتل أحد المحققين بحذاء التزلج، ومع اكتشاف القاتل، ستكون هناك المساحة متروكة لاكتشاف الزوجة وجريمتها أيضاً.

يتأسس فيلم "فحم أسود، جليد رقيق" على أين تحدث أحداثه، أي تأسيس اللقطة والمشهد في حيز مكاني مظلم، كأن يجري تبادل الحب بين زانغ والمرأة القاتلة في مقصورة دولاب مدينة الملاهية الخاوية تماماً، ودائماً الإضاءة خفيفة، في مصبغة الملابس التي تعمل فيها الزوجة، في معمل الفحم، كما أن علاقة الحب بين الزوج والزوجة مسكونة بالغموض كما في المشهد الذي يقتل فيه الزوج و"جمالياته"، وصولاً إلى علاقة الزوحة بزانغ، ونحن لا نعرف هذا الأخير إن كان يحبها بحق أم يكرهها أم أنه فقط يوقع بها كما سيحصل، وصولاً إلى النهاية التي تترك للألعاب النارية التي تلاحق سيارات الشرطة حين تقل الزوجة لتمثّل جريمتها التي مرّ عليها زمن طويل. إنه فيلم يجمع بين ما هو ملتبس وغامض وغرائبي وكل ذلك بإيقاع بطيء على شيء من بياض الجليد وجمعه مع سواد الفحم، وإن كان رمادياً ما ينتج عنهما فهو كذلك لأن كل شيء يأتي من التباس جميل.

 

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 18-02-2014آخر تحديث