فنجان مرّة..فنجان حلوة! - قصة قصير: رشاد أبو شاور

الوقت مبكر . لم تبلغ الساعة العاشرة صباحا بعد، والشمس الربيعية فاترة ولطيفة ومنعشة، وترش أشعتها على الرصيف.
دخلتا معا بعد أن دفعتا الباب الزجاجي العريض. لم أنتبه من دخلت أولا، وحتى لو انتبهت لما عرفت من منهما دخلت قبل الأخرى، لأنهما متشابهتين تماما، طولاً، وسمات وجه، وإن اختلف ما ترتديان من ملابس.
هما متشابهتان طولاً، ولون شعر، ودقة أنف، وأناقة حاجبين.
تساءلت وأنا أرقبهما وقد جلستا متقابلتين إن كانتا توأما، وتيقنت وأنا أقترب منهما، واحدد نظرة مدققة في وجهيهما أنهما توأم .
أخرجت القلم من جيبي، وأبديت جاهزيتي لكتابة طلباتهما، مع انحناءة لم أتقصد بها إبداء الاحترام، ولكن التدقيق أكثر في ملامحهما:
_ أأمرا.
قالت واحدة منهما:
_قهوة مرة.
وقالت الأخرى:
_ قهوة حلوة.
كأنها تتحدى أختها، كأنها تقول لها: أنا حرّة، أريد قهوتي حلوة.
ابتسمت الأخرى كأنها تسخر منها.
شعرهما الأسود يبدو ناعما. تمشطانه بنفس الأسلوب، تفرقانه من منتصف الرأس، وتلفانه كعكة خلف العنق.
لكل واحدة غمازة في خدها الأيمن.
وضعت القهوة أمامهما، لاحظت أنهما لم تمدا يديهما إلى فنجانيهما.
تمنيت لو أتجاسر واسألهما: ما شأنهما، وماذا تريد الواحدة من الأخرى؟ قلت لنفسي: أنا فضولي فعلاً، وهذا ما تعلمته من مهنتي كغرسون _ أو نادل ، كما نوصف في القصص، وأفلام السينما_ فمراقبة الوجوه، وحركات الزبائن، ذكورا وأناثا تجذبني.
أمالت واحدتهما رأسها قليلاً، ففعلت الأخرى مثلها.
توقعت أن تخرجا عن صمتهما، وتتبادلا الحديث، أو ربما تنفجر واحدتهما في وجه الأخرى بحدة وغضب، لكن شيئا لم يحدث. تراجعتا إلى الخلف وهما تزفران، كما لو أنهما تمثلان في مسرحية صامتة.
جلستا وقتا غير قصير، حتى إن الشمس ملأت الشوارع، ودبت حركات الناس على الأرصفة، وتدفقت السيارات فملأت الشوارع ، ودوت أبواقها المزعجة الحادة.
أخرجت كل واحدة مبلغا وضعته بجوار فنجانها، ثمّ نهضتا كالمنومتين، وقد أشاحت كل واحدة عن الأخرى، ثمّ غادرتا.
توقفتا على الرصيف وكل واحدة تدير ظهرها للأخرى. أشارت إحداهما لسيارات العمومي العابرة.
توقفت سيارة عمومي صفراء، فدفعت بدنها بسرعة في جوفها، كأنما لتتخلص من اضطرارها للوقوف مع شقيقتها. فتمشت الأخرى بلا مبالاة رائحة غادية، ثم توقفت. عبرت الشارع إلى الجهة الأخرى، توقفت أمامها سيارة خصوصي، فاختفت في جوفها بسرعة، لتنطلق بها في الاتجاه المعاكس لوجهة شقيقتها.
دخلت إلى الكافتيريا، ورفعت فنجاني القهوة اللذين لم تنقص قهوتهما، وكأسي الماء..
تساءلت: هل وضعت الفنجانين أمامهما كما طلبت كل واحدة منهما، فنجان المرّة لمن طلبته، وفنجان الحلوة لمن طلبته؟
رفعت الورقتين عن الطاولة، ووضعتهما في جيبي، وجلست على نفس الطاولة الصغيرة في الزاوية، وأنا في حيرة مما رأيت. تساءلت: ما حكايتهما؟ هل ستعودان يوما ما، فاسمعهما تتكلمان، وأحدد بالضبط من ستطلب فنجان القهوة المرة، ومن ستطلب فنجان الحلوة؟ وهل ستشربان فنجانيهما هذه المرّة؟!.
 

 

 

 

 

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 19-01-2014آخر تحديث