شكراً جورج حبش - سيف دعنا

«لا أرى مثله بعده أبداً»
(الإمام علي عن مالك الأشتر)

“I shall not look upon his like again”
William Shakespeare: “Hamlet”

إلى ناصر أبو خضير في سجنه – الظلم شايخ وباب السجن خايخ.

كم من قصص البطولة والثورة عليك أن تقرأ قبل أن تكتب عن جورج حبش؟ كم من سِيَر الأبطال الاستثنائيين والثوار العظام عليك أن تطالع قبل أن تكتب عن الثائر العربي الاستثنائي جورج حبش؟ ليس سهلاً أن تكتب عن رجل تماهت صورته مع صورة أعظم قضية إنسانية في العصر الحديث، عن رجل أصبح الدلالة الأنقى والأطهر والأشرف لأنبل الأفكار على الإطلاق، لفلسطين. فأن تكتب عن الحكيم جورج حبش، يقول القائد الإنسان أحمد سعدات، دلالتنا الجديدة لفلسطين، في تقديمه لكتاب الشهادات «الحكيم جورج حبش: حكاية وطن»، «فأنت في الواقع تكتب عن فلسطين الوطن»، أنت تكتب «عن قضية العرب الأولى».

ليس غريباً إذاً أن تختلط فكرة فلسطين، بعظمتها ورمزيتها الهائلة المُشَكِّلَة لكل معنى وجودنا، وعند الكثيرين منا، بصورة الحكيم الإنسان والقائد، وتتوحد فكرة الحكيم القائد والإنسان بصورة فلسطين، فهو كان وسيبقى ذروة معنى كل ما هو فلسطيني حقاً، وعربي حقاً، وإنساني حقاً. وإن كان غريباً، وحتماً خطأً، أن تختزل فكرة وطن كامل وشعب كامل برجل واحد، فإن تماهي حبش المطلق بفلسطين وتوحده الكامل بمشروع تحرير كل العرب لم يوازه ولم يماثله في نقائه، والتزامه، وشرف وأمانة تمثيله لفلسطين وحبه لأهلها أي قائد آخر.

لهذا، لم يكن برتولد بريخت محقاً في «حياة جاليليو» حين قال: «مسكينة هي الأُمة التي تحتاج لِأبطال». الصحيح: مسكينة هي الأمة المنكوبة التي تَعْدَمُ الأبطال. كان تاريخ فلسطين سيكون مأسوياً، وكانت فلسطين ستكون حقاً مسكينة لو لم يكن في تاريخها قائد عظيم من طراز جورج حبش. كان تاريخ فلسطين سيكون مسخاً بمن يسمون أنفسهم «مفاوضين»، الكبير منهم والصغير. وكان تاريخ فلسطين سيكون مُخزياً ومخجلاً حدّ العار بأولئك المُنَسِّقين الأمنيين الوقحين، العقيد منهم والعميد.
شكراً يا حكيم، لقد أعطيتنا ما يمكن أن نفخر به حين نروي لأبنائنا وبناتنا قصة وطننا البعيد المسلوب ونسرد لهم تاريخ مقاومة شعبنا المظلوم. شكراً لأنك أعطيتنا ما سيدفع الأجيال اللاحقة للاستمرار حتى التحرير، فلسنا «مقطعاً زائداً في رواية»، ولن نكون أبداً «زبداً قرب شاطئ بحر»، كما قال الشاعر إبراهيم نصرالله. ومن دونك ما كنا سنؤمن حتى النخاع بعبرة مجزرة تل الزعتر: «حتى لو استطعتم قتلنا جميعاً وظلت امرأة واحدة على قيد الحياة، فإن أطفالها سيحررون الأرض». من دونك، ودون ذكراك، كنا سنموت خجلاً ونحن نسرد لأطفالنا كيف أضاع العرب فلسطين مرتين: مرة بلا حرب، ومرة أُخرى بالمفاوضات والتنسيق الأمني القذر. من دون ضوئك الذي يشعّ من قلب تاريخنا المظلم بعار التسوية والمفاوضات والتنسيق الأمني، ومن دون صدى صوتك الذي سيظل حتى يوم التحرير يتردد بين جبال فلسطين «إن النضال ضد المشروع الإمبريالي الصهيوني قد يتطلب منا الاستمرار مئة عام أخرى، فعلى قصيري النفس أن يتنحوا جانباً»، كنا سنخجل من إخواننا العرب وهم يسردون لأجيالهم المتلاحقة قصص أبطال العرب العظام. كنا سنخجل من أهل عمر المختار وهم يرددون بعده: «نحن لا نستسلم. ننتصر أو نموت». كنا سنخجل من أهلنا في الجزائر وهم يرددون خلف عبد الحميد بن باديس: «والله لو قالت لي فرنسا: قل: «لا إله إلا الله»، لما قلتها»، أو خلف هواري بومدين: «نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة». كنا سنموت خجلاً من مقاومي لبنان القريبة من فلسطين وهم يعيدون خلف سيد المقاومة حسن نصرالله: «نحن قوم عندما نُهَدَّدُ بالموت، نُسْتَفَز ولا نُهْزَم». ويرددون خلفه وخلف الشهيد راغب حرب «المصافحة اعتراف والموقف سلاح». كنا سنموت خجلاً ونحن نسمع شعراء أرض السواد يستدعون ذكرى مفجر ثورة العشرين العظيمة «شعلان أبو الجون» لمقاومة وقهر غزو الرجل الأبيض مرة أخرى في القرن الحادي والعشرين: «زيح تراب قبرك، قوم يا شعلان». كنا سنحني رؤوسنا خجلاً أمام أبطال ميدان التحرير والسويس وهم يستذكرون صرخة عبد الناصر «ارفع رأسك يا أخي فلقد مضى عهد الاستعباد». كنا سسنخجل من أهلنا في سوريا وهم يسردون لأطفالهم ملحمة يوسف العظمة في ميسلون. وكنا سنخجل من أهلنا في السودان وهم يروون لبناتهم وأبنائهم بطولات عبد الفضيل الماظ ومهيرة عبود وعبد الخالق محجوب. شكراً يا حكيم، ففي ذكراك ما لو تمسكنا به، لن نحني رأسنا أبداً.

سَيَمُرّ وقت طويل جداً قبل أن يولد في فلسطين، وقد لا يولد أبداً، فلسطيني حقيقي جداً، وعربي حقيقي جداً، وإنسان حقيقي جداً مثل جورج حبش. هذه مجرد تحية للحكيم، الثائر العربي الاستثنائي، في ذكرى رحيله السادسة وليست عنه. فذلك أكبر من أن يستوعبه حتى مجلد كبير ولا يكفي لاختصاره الكثير من الوقت. كان الشاعر الفذ إبراهيم نصرالله على حق:

«لأُرتب اسمك في مقطعين وبعض حروف
سأحتاج خمسين عاماً،
وست حروبٍ،
وألف بداية».

قال الحكيم ذات مرة: «في يوم من الأيام، نأمل أن يكون قريباً، سيقام نصب كبير للشهداء من شهداء الثورة الفلسطينية في مدينة القدس. نصب كبير لكل شهيد. وفي يوم تاريخي مجيد، هو يوم التحرير، سيطوف زهراتنا وأشبالنا حاملين الورود حول هذا النصب». وأمام نصب الحكيم، في القدس وفي اللد، سيتذكر أهل فلسطين كل يوم وبكل الفخر «من لن يروا مثله بعده أبداً». قد ينقشون على ذلك النصب العظيم شيئاً من الحكيم: «على قصيري النفس أن يتنحوا جانباً». قد ينقشون عليه شيئاً من رفيقه الشهيد غسان كنفاني: «أموت وسلاحي بيدي، ولا أحيا وسلاحي بيد عدوي». قد ينقشون شيئاً من قصيدة الشاعر إبراهيم نصرالله عن الحكيم: «قالو لنا: تلك شمس تَموتُ/ فَقُلتَ لنا: بل تَوارتْ لِتولدْ». وقد ينقشون شيئاً من بابلو نيرودا يناسب الحكيم أيضاً: «تمنيت أن يطلع الصبح من قبضتيك/ فعلت ما كان حتماً عليك/ وما كان حتماً على الناس/ جيلاً فجيلاً».

وحتى يرتفع نصب الحكيم في مدينتي القدس واللد بعد التحرير، ونأمل أن يكون قريباً، سنكتفي مؤقتاً بصورته المعلقة في بيوتنا. وعلى الصورة التي أُعلقها في بيتي كتبت ما قاله رجل عظيم في رجل عظيم، الإمام علي في مالك الأشتر، أظنه يناسب الحكيم تماماً. جورج حبش: «لو كان من جبل لكان فندا، ولو كان من حجر لكان صلدا».


* كاتب عربي
الأخبار اللبنانية - رأي - العدد ٢٢٠٥ الجمعة ٢٤ كانون الثاني ٢٠١٤

 

 

 

 

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 26-01-2014آخر تحديث