إنهم ينهبون الآثار السورية - رشاد أبو شاور

تمر أخبار نهب الآثار السورية دون أن تثير أي اهتمام جدّي يؤدي للتصدي بحزم لهذه الجريمة، علما أن صحفا غربية: إنكليزية، وأمريكية، وفرنسية، وحتى عربية، نبّهت إليها، ونشرت معلومات مثيرة حول استفحالها، بل وحددت المواقع التي تسرق وتنهب منها تلك الآثار، والوجهات التي تنقل إليها، والحدود المحيطة بسورية التي تعبرها.

آخر ما سمعته حول هذا الموضوع ما نقلته إذاعة ( مونتكارلو) صبيحة الجمعة 24 الجاري، عن صحيفة فرنسية توقفت مطولاً عند موضوع الآثار السورية المنهوبة.

السطو على الآثار في بلاد العرب قديم، وهو ربما بدأ في مصر، فكثير من الكنوز التي تركها الفراعنة تعرض في متاحف لندن، وباريس، وأمريكا، وألمانيا، وغيرها، دون أي شعور بالحرج من( رعاة) تلك المتاحف الغنية والمكتنزة ( بالمنهوبات)، و( غنائم) الحرب المعلنة والسريّة.

عندما احتلت بغداد في نيسان 2003 كان أول ما حمته القوات الأمريكية الغازية هي وزارة النفط!..أمّا متحف بغداد، وكنوزه، فقد تركت للنهب المنظم، مع غض النظر، وبإشراف (خبراء) آثار صهاينة، توجهوا فور( سقوط) بغداد وانقضّوا على متاحفها، ووضعوا أيديهم على كثير من القطع الثمينة بقيمتها التاريخية، والفنية، وأهميتها الحضارية.

اختفى من متحف بغداد الوطني ( أرشيف) تاريخ اليهود في العراق، والذي نقل إلى أمريكا، ولم يُعد للعراق حتى اللحظة، والهدف من هذه الجريمة واضح، وهو أن يحجب هذا الأرشيف عن الباحثين والدارسين، فضلا عن حرمان العراق منه كوثيقة تاريخية، وإخفاء ما ينطوي عليه من حقائق تتناقض مع ( الخطاب) الصهيوني التزويري.

في سورية، كما كتبت كثير من الصحف، تقوم الفصائل المسلحة( الإرهابية) بالاتجار بالآثار، وهي تبيعها دون أن تهتم بمصيرها، وإلى أين تذهب، ومن يشتريها، وما هي أهدافه وغاياته.

باعة الآثار هؤلاء لا تعنيهم أهميتها التاريخية، وقيمتها الحضارية، ذلك أنهم يتعاملون معها على أنها ( أصنام)، و( أشياء) تعود إلى أقوام ( وثنيين) كفرة مشركين، لا يمتون لهم بصلة، والأهم أن عائداتها المالية يستخدمها المسلحون من كافة الفصائل للإنفاق على شؤونهم التموينية والتسليحية، ومحاكمهم ( الشرعية)، و(إدارتهم) لدولة الإسلام في العراق والشام، و( الدولة الإسلامية) في سورية، والإمارات التي تنتشر في القرى، والبلدات، والأحياء!

ألوف القطع الأثرية تهرب عبر الأردن، وتركيا، ولبنان، وتذهب إلى الكيان الصهيوني، ويتاجر بها سماسرة لتصل في النهاية إلى متاحف الغرب، ليحرم منها أصحابها الشرعيون، الذين يمكن أن يقرأوا فيها تاريخهم، وتراثهم، وعمق جذورهم.

لماذا يندفع سراق الآثار، والسماسرة، والمهربون إلى سورية؟!

هل همهم إنقاذها من أهوال الحرب الدائرة على الأرض السورية؟ أم تراهم معنيون بالاحتفاظ بها لتكون في خدمة تاريخ ( المنطقة) العربية، سواء في مصر، أو العراق، أو سورية؟!

إنهم يصحرون الذاكرة العربية، ويفرغون الأرض من التاريخ الذي حاضرنا امتداده، وبدونه سيكون حاضرنا مبتورا، وجذورنا مقطوعة، وسيرة حياتنا ناقصة، بحيث نبدو كأننا بلا تاريخ، ولا حضارة، ولا أسلاف ننتمي إليهم.

نحن نعرف تاريخنا من قراءتنا لعمق أرضنا، وما تحويه من كنوز، تدلل على المستوى الحضاري، والمدني، والتطور الذي بلغه أولئك الأسلاف في منطقتنا، وعلاقاتهم بالعالم المحيط بهم.

هنا: في مصر،والعراق، وسورية الكبرى ( بلاد الشام) وجدت الحضارات، وقامت المدنيات..فلماذا لصوص الغرب ينتزعونها من أرضنا؟!

عملية نهب وسطو مسلح يترافق مع التدمير والتخريب الممنهج، والهدف تجهيل الإنسان بتاريخه، وتراثه، وحرمانه من المعرفة، وإضعاف انتمائه، فمن لا تاريخ له لا حاضر ولا مستقبل له..وهذا ما يريدونه لنا.

هل من الديمقراطية سرقة تراث حضارة بلد؟ هل من ( الديمقراطية) الوصاية على تراثنا الحضاري..وتبرير نهبه؟! وهل هؤلاء المسلحون الذين يبيعون هذه الكنوز منتمون لوطن، ويريدون لناسه الخير، وهم يحولونه إلى بزنسة، ويتخلون عنه لقاء المال أسوة بالنفط الذي يبيعونه ويهربونه، دون أن يسألوا المشتري: من أنت، ولماذا أنت حريص على شراء آثارنا، وأوابدنا، وكنوزنا؟!

منبتون جهلة يبيعون التاريخ لمجرمين غزاة عملوا على نهب بلادنا بالسيف، والمدفع، والصاروخ..ثم ( باللصوصية) التي تمارس على مستوى ( مؤسسات) ومراكز بحث وتخطيط،مهمتها ( انتقاء) الآثار الأكثر أهمية، وندرة، وقيمة.

المحزن أن عملية النهب تتواصل بينما سورية منهكة، وأجزاء منها مستباحة لمسلحين كثير منهم ليسوا منها، ولا يأبهون بكنوزها، ويبيحون لأنفسهم بيع تراثها بفتاوى تنسجم مع القتل المجاني، والخطف، وقطع الرؤوس.

هناك صيحات تحذير تخرج من مختصين بالآثار في سورية، تناشد، وتهيب، وتستغيث، ولكن لا حياة لمن تنادي، فتحالف اللصوص والتجار وأعداء امتنا، يلتقون جميعا في هدف واحد: نهب تراث سورية، وبيعه، وحرمان شعب سورية منه، بل حرمان الأمة العربية كلها منه، تماما كما حدث، وما زال، في العراق.

لقد زرت منطقة ( إدلب) قبيل انفجار الأحداث في سورية بوقت قصير، وتجولت مع المشاركين في ملتقى( أبو العلاء المعري) في القرى والبلدات المحيطة بالمدينة، وزرنا مواقع آثارية، سمعنا شروحات عنها من القائمين على تلك الحفريات، عن حضارة ( إيبلا).. وشدّ ما آلمني ما سمعته مؤخرا عن احتلال المسلحين لها، والسماح للصوص باستباحتها، وعن استشراء عمليات نهب كنوزها بإشراف خبراء يتسربون عبر الحدود التركية، يقومون بعمليات السطو علنا، وبحراسة المسلحين لهم!.

إذا كانت تركيا غير مهتمة بنهب تراثنا في سورية، فماذا عن الأردن، ولبنان؟! هل ملاحقة المتاجرين بالآثار السورية جديّة؟ سمعت عن عمليات مصادرة لبعض المنهوبات، ولكن : هل هي كافية، أم تحتاج إلى عمل وجهد وتنسيق منظم لحماية كل آثار بلاد العرب، وفي مقدمتها المتجاورة، والتي تمر بظروف طارئة كسورية؟

لماذا لا يتوقف الآثاريون العرب، والمؤرخون، والكتاب، والمثقفون المعنيون، عند هذه الجريمة التي تقترف بحق هويتنا، وهوية منطقتنا المستهدفة من جهات تلتقي مع الاستعمار الذي ينهب ثروات العرب الطبيعية، والذي عمل دائما على تكريس تخلفنا، وتبعيتنا، ودونيتنا؟.

نحن أمة مستباحة..وبعض أبنائها، وهم جهلة وبلا ضمائر، يسهمون مع أعدائها في مضاعفة استباحتها!

 

 

 

 

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 31-01-2014آخر تحديث