حقائق في الصراع مع الكيان - د. فايز رشيد

آن الأوان للسلطة للانسحاب من المفاوضات . انها مضيعة للوقت ليس الا ! كل جولات كيري بما فيها جولته الأخيرة ( العاشرة ) في المنطقة لم تسفرولن تسفر سوى عن حل أمريكي مسخ : هو وجهة نظر اسرائيلية أولا وأخيرا, مضمونها : اتفاق اطار على دويلة مؤقتة منقوصة السيادة والقدس وعودة اللا جئين ! دويلة هي ليست غير الحكم الذاتي القائم حاليا , دويلة كانتونات مقطّعة الأوصال , دون أية روابط جغرافية مع غزة وقطاعها .اضافة الى تواجد عسكري اسرائيلي في منطقة غور الأردن, سيتحول مستقبلا الى وجود دائم . حلّ يجري تطبيقه على الضفة الغربية أولا مع احتمال بعيد بأن يجري تطبيقه في القطاع ! هذا هو جوهر الحل الأسرائيلي ولكن بلسان أمريكي هذه المرّة . هذه هي الحقيقة الأولى التي استندت الى استراتيجية المفاوضات . باعتبارها الخيار الوحيد والدائم للسلطة الفلسطينية . المفاوضات لم تنتج سوى اتفاقيات أوسلو المشؤومة التي قزّمت الحقوق الفلسطينية , وأدّت الى تراجع المشروع الوطني عقودا الى الوراء. المفاوضات استمرت ما ينوف عن العقدين, ولم تكن قادرة على انتاج شيىء سوى الحل الأخير .

من زاوية ثانية , فان حقيقة أخرى يتوجب ادراكها : لا يمكن للولايات المتحدة أن تكون وسيطا نزيها في الصراع بين الفلسطينيين والعرب من جهة وبين اسرائيل من جهة أخرى . لا نقول هذا الكلام جزافا , وانما اعتمادا علر نصوص رسالة الضمانات الأستراتيجية الأمريكية التي جرى ارسالها الى اسرائيل في عام 2004, وتنص على مبادىء كثيرة , أبرزها : التزام الولايات المتحدة بأمن اسرائيل , وتعهدها بعدم ممارسة الضغط عليها لقبول ما لا تريده من حلول أو تسويات . الحقيقة الثالثة ,التي يتوجب على السلطة الفلسطينية ادراكها :أن الولايات المتحدة ملتزمة التزاما تاما بالحل الأسرائيلي دون زيادة أو نقصان , فالموقف بين الحليفين : الأمريكي والأسرائيلي حول عناصر التسوية متماهي الى حد كبير : واشنطن ترفض حق عودة اللا جئين الفلسطينيين , وهي متفهمة للموقف الأسرائيلي بابقاء القدس موحدّة وعاصمة أبدية لأسرائيل . على هذا الأساس , فان كل مرشح أمريكي للرئاسة وابّان فترة ترشيحه يعد بنقل السفارة الأمريكية الى القدس, وهذه دلالة كبيرة. التعارض بين الموقفين الأسرائيلي والأمريكي , يتمثل في الأستيطان . واشنطن فعليا ليست ضد الاستيطان , لكنها مع تجميده مؤقتا بهدف تسليك المفاوضات الأسرائيلية – الفلسطينية والوصول الى حل ّ .

الحقيقة الرابعة وهي أبرز من كل الحقائق : أن استراتيجية المفاوضات لم تؤد الا الى التنازلات الفلسطينية وهي مستقبلا لن تؤدي الا الى المزيد من هذه التنازلات . الحركات الثورية للشعوب المحتلة أراضيها والمغتصبة ارادتها تخوض المفاوضات مع أعدائها ولكن بشروط : أولها : خوض المفاوضات مع العدو ولكن في مرحلة متقدمة من النضال , تكون فيه الحركة الثورية على أعتاب الأنتصار . ثاني هذه الشروط : استناد المفاوضات الى انجازات حقيقية على الأرض ,وهذه لن يتم انجازها الا بفضل المقاومة وعلى رأسها الكفاح المسلح . ثالث هذه الشروط : عدم المساومة والتفريط على وفي حقوق الشعب الوطنية , فالعدو وجرّاء تضرره الكبير من مشروع احتلاله بالمعنيين : الأقتصادي والبشري الديموغرافي هو بحاجة للوصول الى تسوية, لأن ليس لديه الأستعداد لدوام تلقي الخسائر البشرية والاقتصادية. رابع هذه الشروط : الأستناد الى حركة جماهيرية شعبية يجري تأييدها سياسيا من شعوب ودول كثيرة.

لقد خاضت حركة التحرر الوطني الفيتنامية والتي كانت تسمى " جبهة التحرير الفيتنامية " مفاوضات مع المحتل الأمريكي في مفاوضات باريس , بعض تلك الجولات التفاوضية لم تكن تستمر سوى دقائق قليلة فقط, يضع الفيتناميون مطالبهم على طاولة التفاوض , فاذا كان هناك تجاوب أمريكي معها , يجري الأستمرار في المفاوضات, والا فلا , وينسحب الفيتناميون . بالطبع هناك فارق كبير بين طبيعة النضال الفلسطيني والنضال الفيتنامي , وهناك فوارق في الظروف المحيطة سواء بالمعنى الذاتي أو الآخر الموضوعي , لكن هذه التجربة التفاوضية خاضتها الكثير من حركات التحرر الوطني للشعوب في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللا تينية. كمثال على صحة ما نقول: تجربة حزب " المؤتمر الوطني الأفريقي " وحلفاؤه في جنوب أفريقيا, والمفاوضات التي جرت مع النظام العنصري فيها ( الحليف العضوي للكيان الصهيوني ) . تجربة روديسيا . التجربة الفلسطينية ذاتها,ابّان المرحلة الأولى من الثورة ( قبل اتفاقيات أوسلو ) مرحلة الكفاح المسلح . من قبل لم تعترف اسرائيل بوجود شعب فلسطيني من الأساس . العالم تعامل من قبل مع الفلسطينيين كلاجئين يستحقون الشفقة والعطف ليس الا . الثورة الفلسطينية المسلحة هي التي أجبرت العالم على التعامل مع الفلسطينيين كشعب مغتصبة أراضيه وحقوقه . وهي التي أجبرت اسرائيل على الأعتراف بالشعب الفلسطيني والتعامل معه . منذ تشكيل السلطة الفلسطينية وبخاصة بعد وفاة الرئيس الراحل عرفات, اعتبر أبو مازن الكفاح المسلح (ارهابا) , حتى أنه ضد الأنتفاضة الشعبية الفلسطينية المسلحة. لقد أصدر الفرمانات ( القرارات ) بجمع الأسلحة الفلسطينية من المقاومين , واعتبر الأجهزة العسكرية للفصائل ,, منظمات غير مشروعة. كل من لم يسلّم سلاحه للسلطة الفلسطينية, قامت أجهزة السلطة باعتقاله, والزج به في السجن. أو قامت اسرائيل باغتياله أو اعتقاله .

على صعيد آخر, فان المقاومة والمسلحة منها تحديدا هي الأستراتيجية المركزية التي تتبناها مطلق حركة تحرر وطني لمطلق شعب محتلة أرضه ومغتصبة ارادته, ونتحدّى ىأن يقوم أحد بتسمية حركة تحرر واحدة لم تعتمد الكفاح المسلح في نضالها ( تجربة غاندي مختلفة تماما عن تجارب حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللا تينية. هي حركة عصيان مدني شعبي عام ضد الأحتلال البريطاني ) . لذلك , فان القاعدة العامة هي المقاومة المسلحة. هذه التي توحّد الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده : في الوطن وفي الشتات. استراتيجية المفاوضات تفرّق شعبنا .

يبقى القول : كفى تفاوضا مع العدو الصهيوني , وكفى استجابة للضغوطات الأمريكية. آن الأوان لانهاء الانقسام ومراجعة المرحلة الماضية , والتمسك بإستراتيجية المقاومة واحيائها من جديد .آن الأوان لاعادة الأعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية , باعتبارها الجامع بين الفلسطينيين في الوطن وفي الشتات والممثل الشرعي والوحيد لهم . واذا كانت السلطة عقبة أمام المقاومة فليجر حلها .
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 11-01-2014آخر تحديث