أم الجرائم في مخيم اليرموك- نضال حمد

مخيم اليرموك مأساة تدق جدران الفلسطينيين أولا والعرب ثانيا والعالم بشكل عام ثالثا.

أم الجرائم في عصرنا الحديث ان يموت الفلسطيني في المخيم جوعا. وان لا يتعامل المحتلون للمخيم مع الموضوع بشكل جدي، وان يواصلوا استباحتهم للمخيم واحتجاز سكانه وسرقة المعونات القليلة التي تدخله بموافقة السلطات السورية التي تحاصره خوفا من تمدد المسلحين نحو العاصمة دمشق. فاليرموك هو خاصرة العاصمة وبوابتها الجنوبية.. وبالرغم من هذا الخطر الحقيقي والكبير على قلب دمشق إلا ان السلطات السورية سمحت بإدخال المساعدات وبخروج الناس من المخيم بشكل منظم، وعبر تدقيق في هويات الخارجين. فهناك وفق المراقبين عدد من قوافل الإغاثة والأدوية دخلت المخيم رسميا وبموافقة القوات السورية ولكن تم نهبها من قبل المسلحين ولم يصل منها أي شيء لأي فرد من المقيمين الأبرياء. كما ان الجيش السوري أمّن منافذ لخروج الناس من المخيم، من عدة منافذ وقد خرج كثيرون. فيما منع المسلحون خروج الآخرين. كما فعلوا قبل أيام حين أطلقوا النار على المسعفين والمرضى الذين كانوا يريدون الخروج بعد موافقة السلطات السورية التي فتحت لهم ممرا آمنا من شارع فلسطين.
لم يخف قادة المعارضة السورية العسكريين والسياسيين منهم أنهم دخلوا اليرموك كي لا يخرجوا منه وكي يكون بوابتهم الى العاصمة دمشق والمسجد الأموي.  سمعنا هذه التصريحات وشاهدناها في الفضائيات يوم سقوط المخيم وبعد احتلاله من قبل هؤلاء المحتلين. وفي رسالة كتبها قبل أيام الصديق الكاتب الفلسطيني عدنان كنفاني المقيم في دمشق قال :  للأسف إن بعض "الفئات" من الفلسطينيين ضالعون في إيقاع الحصار على الناس وتجويعهم وسبب معاناتهم.

بعض الذين يدعون حرصهم وخوفهم على المخيم وسكانه كانوا جزءا أساسيا من أعداء المخيم وناسه وسكانه لأسباب مختلفة وعديدة، فمنهم من ساهم في دعم ومساعدة المسلحين قبل سقوط المخيم وتوفير البيئة الحاضنة لهم، وأكثر من ذلك منحهم الغطاء والعمل معهم في سبيل تنفيذ مشاريعهم ظنا منهم أن النظام سيسقط عاجلا أم آجلا. هؤلاء يعرفهم القاصي والداني من أهل المخيم فمنهم من مازال في المخيم ومنهم من فر ويمارس تجارته بجوع أهل المخيم من دول الجوار ومن دول اللجوء الجديد في أوروبا.  من هؤلاء هناك ايضا من عمل دليلا مع المسلحين وسلم العديد من أبناء المخيم. ومنهم من سلم مكاتب لفصائل فلسطينية وقال يومها الآن أصبح اسم هذا التنظيم  "الجبهة الحرة" او "اليوم انتهى زمن طلال ناجي نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة". هؤلاء انطلقوا في أعمالهم التخريبية من منطلقات العداء للنظام السوري والفصائل المتحالفة معه او لتسديد فواتير قديمة مع هؤلاء كلهم. ومنهم من عمل لانخراطه في مشروع تكفيري أو إسلامي إخواني يعادي النظام، وكان ينتظر الفرصة او كان نفسه شريكا في الإعداد لذلك.

سارع قصف المخيم من قبل النظام او المعارضة في نشر الهلع بين سكانه ورحيلهم وتشردهم في بقاع الأرض قاطبة.  فيما بقي آلاف من سكان المخيم في اليرموك مفضلين الصمود على الهجرة والتشرد واللجوء من جديد. هؤلاء يدفعون الآن فاتورة صمودهم ورفضهم النكبة الجديدة للشعب العربي الفلسطيني. لكن هؤلاء وجدوا أنفسهم رهائن لواقع جديد في مخيم محتل ومستباح ومنهوب من قبل العصابات المسلحة، وعلى الناحية الثانية محاصر بشدة من قبل النظام واللجان الشعبية الفلسطينية التي تقاتل لتحرير المخيم.  للنظام أسبابه المقنعة في حصار المخيم وهي منع التمدد نحو دمشق. وهذا خط احمر لا يمكن ان يتساهل النظام في هذا الأمر المصيري بالنسبة له. ويبدو ان المسلحين الذين احتلوا المخيم لا يعبئون بسكانه ولا بمصيرهم وهمهم ان يحتفظوا بقاعدة متقدمة لهم على أعتاب العاصمة. نتيجة علمهم ومعرفتهم السابقة بان النظام لن يهاجم المخيم عسكريا كي لا تستغل قضية المخيم واللاجئين الفلسطينيين ضده سياسيا وإعلاميا ودوليا. وكي لا يكون سببا في قتل أهل المخيم وتدميره.

اختار النظام حصار المخيم واختارت المعارضة المسلحة احتلال المخيم. ومع تطور الأحداث في المناطق المجاورة لليرموك وسقوط وحصار العديد من مناطق المسلحين في جوار المخيم. تحركت العملية السياسية والتفاوضية قليلا، خاصة بعد حل بعض العقد بالتفاوض في مناطق بدمشق والغوطة. فتم بعد مفاوضات مارتونية التوقيع على اتفاقية اليرموك بين المسلحين المحتلين والفصائل الفلسطينية كافة وبلا استثناء وكذلك اللجان الشعبية، بموافقة ومباركة السلطات السورية. وعندما تبين ان الاتفاق سيسري وان غالبية المسلحين الفلسطينيين في المخيم وكتائبهم وافقت على ذلك ووقعت، وبدأ عمل في الاتفاقية سارعت المجموعات الغريبة عن المخيم مع بعض الفلسطينيين المسلحين الى إعلان رفضها الالتزام بالاتفاقية واعتقال ووضع قادة الكتائب والمجموعات الفلسطينية الموقعة رهن الإقامة الإجبارية.  ثم شنت المجموعات المتشددة عدة هجمات على مواقع اللجان الشعبية ولكنها لم تنجح في تحقيق أي تقدم.

وعادت الأمور الى ما كانت عليه قبل التوقيع على الاتفاقية وازدادت سوءا مع تفاقم الحصار والجوع.  الغريب في الأمر كله أن المناطق المجاورة للمخيم وهي أيضا محاصرة مثل اليرموك لم تشهد جوعا ولا موت بسبب الجوع. ولم نر مسلحا واحدا يموت جوعا في اليرموك ويلدا وبليلا والقدم والعسالي، بل العكس نراهم في صحة جيدة. فالجوع مقتصر على سكان مخيم اليرموك. وهنا من المهم ان نذكر بان المسلحين عندما احتلوا المخيم والمناطق المجاورة له قاموا بسلب ونهب كل شيء هناك، مما وفر لهم مونة تكفيهم على ما يبدو لفترة زمنية طويلة. إضافة لذلك فهم تمكنوا خلال فترة الاحتلال أو ممكن قبل ذلك بكثير من حفر أنفاق توصلهم بمناطق أخرى يسيطرون عليها يأتي منها التسليح والتموين. وكذلك سطوهم على المساعدات الاغاثية التي تدخل المخيم عبر الصليب الأحمر والهلال الأحمر ومؤسسات إغاثة محلية ودولية لمساعدة السكان المدنيين المحاصرين بداخله.

كتب مؤخرا الصديق الكاتب الفلسطيني عدنان كنفاني من دمشق يقول:

" مخيم اليرموك حسماً لكل كلام مزيّف يحاول تشويه الحقائق وتزييف الصورة، نقول، ومن منطلق معلومات، ومشاهدات ومتابعة شبه يومية، بأن الوضع في مخيم اليرموك هو كالتالي:

ـ عشرات من محاولات الاتفاق على خروج المسلحين وترميم المخيم ولجان إشراف لتوفير البنى التحتية ووسائل الحياة فشلت بسبب المسلحين، على اختلاف مشاربهم "وألويتهم وكتائبهم" وللأسف بعضها فلسطيني، وفي كل مرة يسقط شهداء وضحايا، ولا بأس أن نذكر بأن بعض الوسطاء استفادوا من ذلك بشتى الوسائل ولا أجد فائدة ترجى من ذكرها.

ـ المسلحون في داخل المخيم، نهبوا البيوت والمحلات والمخازن والمستودعات وخيرات المخيم، وتلذذوا بأكل الطيبات وعيون الأبرياء تنظر وغير مسموح لأحد منهم أن يقترب.

ـ المسلحون حفروا أنفاقاً تمدّهم بالسلاح والمرتزقة والتموين والذخيرة من خارج المخيم ومن عدد من المناطق المجاورة، وأقاموا أسواقاً لبيع المسروقات وبشكل علني في شوارع يلدا والحجر الأسود وآخر المخيم من طريق اليرموك وفلسطين.

ـ من لم يخرج من المخيم من الأهالي هم إما ممنوعون من الخروج من قبل المسلحين "دروع بشرية"، أو يخافون من إشاعات تسربت بأن الجيش ينتظر خروجهم ليعتقلهم أو يقتلهم، وإما من فئات تعتبر من أهل أو حاضنة للمسلحين.

ـ كل من خرج من المخيم أمّنت لهم الدولة مراكز إيواء وتغطية احتياجاتهم كاملة من طعام وعلاج وسكن".
 

في الختام لا يجوز وغير مقبول وممنوع أن يموت أهل المخيم جوعا وان يبقى سكانه رهائن مختطفين من قبل المسلحين، ولا يجوز للمحاصرين للمخيم ان لا يبحثوا عن وسائل وطرق جديدة لإنهاء هذه المأساة مع حفظ امن دمشق ومنع استغلال المسلحين لهذه الحالة الإنسانية كي يندسوا بين السكان الأبرياء الذين من المفترض ان يخرجوا من المخيم. فالمحتلون غير آبهين بمصير سكان اليرموك ولو ماتوا كلهم جوعا. ولن يغيروا من سياستهم مادام الوضع في المخيم لا يشهد تغييرات أساسية مثل قيام انتفاضة جياع ضدهم تحرك ضمائر المسلحين الفلسطينيين من أبناء المخيم، تجعلهم يواجهون المحتلين لإنقاذ أهالي المخيم من الموت جوعا ومن اجل تطبيق الاتفاقية الموقعة بين الأطراف. أو على الأقل ضمان وصول المساعدات الاغاثية للسكان ومنع المسلحين الآخرين من سرقتها والتجارة بها والهيمنة عليها. ونخص بالذكر المجموعات التي وقعت على الاتفاقيات السلمية التي نصت على إنهاء احتلال المخيم وتحييده. خاصة ان اللجان الشعبية والجبهة الشعبية القيادة العامة والنظام السوري قدموا كل التسهيلات الممكنة لإنجاح الاتفاقيات. وبعد تأكيدات كثيرة من مصادر عديدة منها فتح واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أن المسلحين المحتلين للمخيم هم من نقض الاتفاقية ويعيقون تطبيقها، وبان النظام السوري لن يحرر المخيم بالوسائل العسكرية حفاظا على سكانه ولكي لا يدمر.

نعرف ان هناك تجارة بالمفرق وبالجملة بمأساة أهلنا في مخيم الشهداء والعطاء، يمارسها أفراد وإعلاميون وصحافيون بلا ضمائر، وتمارسها جماعات وتنظيمات وحركات وتنسيقيات وهيئات غالبيتها العظمى كانت شريكة في جريمة تسليم المخيم للمحتلين من العصابات المسلحة. ونعرف ان هناك كثيرون لا يريدون للمخيم ان يتحرر من الاحتلال ويكون منطقة محايدة آمنة للجميع. ولا يريدون عودة سكانه المهجرون والمشتتون واللاجئون في كل الدنيا.

 

*مدير موقع الصفصاف

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 13-01-2014آخر تحديث