مراجعة لمجلد «دراسات وأبحاث في القضية الفلسطينية: تكريما للباحث المناضل د. انيس الصايغ» - د. مَكرم خُوري - مَخُّول


العروبة وفلسطين والمسيحية الاصلية (المشرقية) ويـافـا وطبريـا ومدينة حمص والبحث الاكاديمي والنضال ضد سلب فلسطين المحتلة والمحتجزة من ادارة الحركة الصهيونية، كلها جوانب مشتركة عميقة الجذور ومرتفعة الاغصان ما بين الراحل الدكتور انيس الصايغ الذي سبقنا فيها، وبين كاتب هذه الكلمات.

الا ان احد الامور التي شدتني لمطالعة مجلد «دراسات وابحاث في القضية الفلسطينية: تكريما للباحث المناضل د. انيس الصايغ› الصادر عن ‹منتدى الفكر الديمقراطي› في عمّان - الاردن، بريادة الثقافي الدؤوب الأستاذ عبدالله حمودة الى جانب لجنة اصدار الكتاب عن ‹دار البيروني للنشر والتوزيع› في ربيع 2014، هو بلدة كيمبريدج الجامعية في انجلترا.... هذا المكان الذي وصل اليه انيس الصايغ كطالب قبل ولادتي، والمكان الذي شرعت انا التدريس فيه (عام 2003)، اي في آخرعقد من حياة البحاثة الراحل انيس الصايغ حيث ما زلت اقيم هناك وما زالت نسخة عن فلسطين في خلجات نفوسنا تثابر.

لم التق بـ 'عميد الفكر العربي الفلسطيني'... أنيس الصايغ وجها لوجه، لكني صادفت خياله ووقع وجوده في كيمبريدج باستمرار كلما نشب صراع بين مناصري القضية الفلسطينية وبين الحركة الصهيونية وتشعباتها الاخطبوطية في بريطانيا ككل... حيث انه ومنذ وصولي الى كيمبريدج اخذت اكتشف تدريجياً اسماء العرب الذين مروا أو قطنوا لبضع سنين او بقوا في كيمبريدج، مهتما بما فعلوه هنا (او لم يفعلوه لفلسطين) وأثر ذلك على مسيرة حياتهم ونضالاتهم فيما بعد. كيمبريدج، هذا المكان الأثري العلمي الذي تتزاوج فيه الطحالب في حجارة مبانيه القديمة مع الحدائق الخضراء في افكار نهر 'الكام' (CAM River)، هو احد المصانع التي تزود الحكم البريطاني المركزي وتساعده في اتخاذ وانتاج القرار السياسي والثقافي والاقتصادي والعسكري منذ عدة قرون وبالتحديد منذ نشوء الامبراطورية البريطانية. وبسبب محورية فلسطين في تاريخ هذه الامبراطورية منذ حملات الفرنجة ومرورا بالانتداب (الاحتلالي) البريطاني ما بين 1917-1947، وبنكبة فلسطين عام 1948ونكستها عام 1967 والى يومنا هذا، وبسبب اقامتي في كيمبريدج لغاية اليوم ومند ان بدأت بممارسة التدريس في كلية الدراسات الشرقية في كيمبريدج عام 2003 تسللت الى خلجات نفسي شخصيتان مختلفتان ومتناقضتان كانتا قد درستا (وتدربتا) لبضعة سنين وتخرجتا من كيمبريدج... الاولى عربية فلسطينية وهو كما يسمى في المجلد 'حارس فلسطين' انيس الصايغ...والثانية...يهودية صهيونية اسرائيلية ومهنياً مرموقة (رغم غضبنا لما مثلته) في الآعيبها الديبلوماسية وهو آبا إيبان.

كل مرة ويوم دخلت فية مبنى «كلية الدراسات الشرقية» (Faculty of Oriental Studies) في كيمبريدج، استحوذني تحت قبعتي المهنية ومهمتي الاكاديمية (وبالتحديد بسبب مجاورة القسم العربي بالقسم العبري) قبعة امتداد كفاح تحرير فلسطين ودور شخصيات سبقتني تاريخياً كالدكتور انيس الصايغ اذ شعرت بالمسؤولية (كعربي وفلسطيني وبريطاني) الملقاة علي في الحاضر المٌحاصِر والمحاصَر.

ما اختارته الباحثة الطلائعية بيان نويهض-الحوت من اقتباس لافتتاح مساهمتها في هذا المجلد الكنز لذكرى تكريم انيس الصايغ ص29 مما كتبه أنيس صايغ نفسه في 'ملف الارهاب الصهيوني' ربط انجلترا وفلسطين والارهاب وأثر تجربة التواجد في كيمبريدج اذ قال: 'جريمتي اني عشت في بريطانية خمس سنوات. درست خلالها الشؤون العربية وتتلمذت على شعبها في اصول الحرية والحق والعدالة. وعدت الى بلدي امارس ما اختبرت واختزنت. واذ بي اذهب ضحية ممارسة ما تعلمته هناك في كمبريدج'. (ص 112) هذه الكلمات تقرع في وعيي انا كعربي وكمواطن بريطاني مقيم منذ عقد ونيف، اذ تعاود وضع بريطانيا (كممثل للاستعمار الغربي في حالة فلسطين) في قمة مثلث الصراع على فلسطين ما بين العروبة والصهيونية. هذا الصراع الذي يتم تصفح حجرات هيكله عبر نافذة كل فصل من فصول مجلد تكريم انيس الصايغ الذي هو عبارة عن مرجعية سياسية ورافعة بحثية ضرورية لكل عربي وفلسطيني ولكل مناصر للقضية الفلسطينية في العالم.

نعم، في كيمبريدج تتم 'اغتيالات' اكاديمية وسياسية واقتصادية لمن يشن الغارة مدافعاً عن فلسطين. الا ان اغتيالات شخصيات مقاومة للصهيونية واتباعها وبالتحديد اذا كانوا في اوروبا لا يتم فقط عبر الرصاص وانما عبر ادوات الاستهداف الاقتصادي والمهني في محاولة اما لوقف هذا النضال او تركيع (او شراء) من يقاوم. واغتيال او محاولات اغتيال مفكرين ناشطين او ناشطين سياسيين عرب او فلسطينيين بالتحديد ممن عملوا وفقا لنظرية السميائية (Semiotics) على رفع قوة رمزية الخطاب السياسي الثقافي حول الحق الفلسطيني في العالم العربي وبالتحديد في فلسطين ولبنان على غرار محاولة اغتيال انيس الصايغ، والتي جاءت في اطار اضعاف استمرارية وهج شعلة النضال الفلسطينية ونقلها من يد الى يد وقطع اتصالها الجغرافي وتواصلها الديمغرافي من جيل الى جيل لكي تبقى القضية مُصانة الى ان يتم التحرير (وهذا ليس بحلم...على فكرة)... فصراع القوة مع الادارة الصهيونية التي تحتل فلسطين يدور اساساَ في العقول وما يصدر عنها من مناهج تعكس اداءها العسكري او الاقتصادي او السياسي او الثقافي قبل اي شيء... وبالتحديد يتم استهداف العقول التي تنفض الغبار عن الوثائق وتكشف الأدلة وتفضح المخططات وتصيغ الاستراتيجيات التي ما زالت تحتاجها قضية فلسطين وشعبها في يومنا هذا لايصال عدالة الحق الفلسطيني الى كل بقاع الارض وفي كل لغات البشرية اذ تحشد الرأي العام في كل مكان.

الاحداث التي يمر فيها العالم العربي ومنذ اندلاعها في يناير 2011 وما أطلقت عليه اسم 'الهزيع العربي'... حيث تسببت فيما تسببت تلك الاحدات التي تتكشف يوميا على انها مخططات لتمزيق الوطن العربي، بتهميش القضية الفلسطينية، جعلتني كفرد عربي ابحث عن توليفة او وسيلة لاعادة تسليط الضوء على استراتيجية الحق الفلسطيني في هذه المرحلة (هناك العديد من الجمعيات العربية او العربية الفلسطينية او العربية الاجنبية التي تناصر القضية الفلسطينية) حيث أخذت أعمل على مشروع تأسيس لوبي فلسطيني بالمعنى العصري والبنيوني والذي من الممكن ويجب ان يضاهي اقوى انواع اللوبي والصهيوني -الاسرائيلي منه على وجه التحديد. والنتيجة التي توصلت اليها ترتكز على ضرورة اقامة لوبي يستند الى البحث العلمي (Research Led Lobby) استناداً لما قاله الراحل الدكتور انيس الصايغ في حوار يرد في المجلد الذي نحن في صدده مع الاستاذ علي هويدي في نيسان 2004 'انما دائما علينا ان نعطي المعلومات والحجج الدقيقة والبراهين الصحيحة، المعلومات التي يعتمد عليها الانسان في مجابهة من يطالبه بعدم العودة او التوطين او الهجرة الى الخارج...'. (ص 121). هذا التكتيك الذي تحدث عنه انيس الصايغ هو احد اهم عناصر اللوبي المهني. وهذا المجلد يحتوي على مجموعة من اهم الادبيات عن القضية الفلسطينية التي من الممكن ويجب ان تشكل رافعة لعمل لوبي فلسطيني او لاية جهة تعمل على استرداد الحق الفلسطيني منذ النكبة. اذ يقع المجلد في سبعة اجزاء تم تكريس الاول منها (15-164) الى اداء ومساهمة انيس الصايغ كبحاثة مناضل في سبيل قضية فلسطين في مقالات كتبها امثال بيان نويهض الحوت وبسام ابو غزالة ورشاد ابو شاور وصقر ابو فخر وعبد العزيز السيد وهارون هاشم رشيد وعادل سمارة ونزيه ابو نضال وغيرهم.

أما الفصول الستة التي تلت الفصل الاول المكرس لشخصية انيس الصايغ فتمحورت في الجوانب المختلفة من القضية الفلسطينية ومقاومة الادارة الصهيونية تحت عناوين «الصهيونية ونشأتها وعلاقاتها' (القسم الثاني) والقسم الثالث: 'البعد القومي للقضية الفلسطينية' والقسم الرابع 'رموز عربية وفلسطينية في مقاومة الصهيونية' والخامس 'على طريق الاستسلام' والسادس 'علامات الهزائم والخروج على الثوابت القومية' والسابع 'فلسطين ومتطلبات المقاومة'.
بعد وفاة كل قامة ثقافية او علمية او سياسية تكتب الغالبية كلاما تمت كتابته ايضا عن انيس الصايغ، بما معناه ان...'رحيل المعلم الدكتور انيس صايغ خسارة فادحة لشعبنا الفلسطيني' وامتنا العربية، وللفكر والثقافة العربية'. (ص 24).

بعد مراجعة هذا المجلد الذي من المهم ان تتم مطالعته من قبل كل من يهتم في القضية الفلسطينية، أرى في هذا الكلام العاطفي تعبيرا فوريا وطبيعيا لصدمة نفسية نتيجة الخسارة الفادحة تعكس التقدير لقامة هذا الشخص. الا انه للفقدان معايير اخرى... تشير فيما تشير الى ان الفقدان الجسدي لشخص لا يعني انه رحل بالكامل عن حركة مجتمعه الذي يتبدل باستمرار منتعشا من ثراء احتكاك الاجيال مع بعضها قِيَمياً وبالتحديد في حالة من التربية السياسية. فبينما يبعث تكريم الحي الحياة المتجددة فيه، ما تكريم الميت الا بعث للحياة بواسطة الميت وارثه الثقافي، بالاحياء...

ان الجهد الانتاجي الجبار الذي قام به 'منتدى الفكر الديمقراطي' بريادة عبدالله حمودة الى جانب لجنة اصدار الكتاب، يقع ليس فقط في اطار الحفاظ على شعلة النضال الفلسطيني، الذي يظهر احيانا ان لا انفراج فيه، فجاء المجلد ليضع ضرورة النضال المنمق في مركز الحدث الثقافي -السياسي وهو بهذا الاهتمام لبعض مكونات الدفاع الثقافي-الاعلامي من الحاضر الذي ينسل من بين جنبات الماضي ليشكل جبهة من دفاع الحاضر المستمر، وفي ذلك أهمية فائقة لان ارث انيس الصايغ لا يلتحف ثوب ذكرى النكبة فقط وانما هو بذور حياة في بيدر النضال والعودة.

كيمبريدج، انجلترا، المملكة المتحدة

 

الدستور

 

 

 أرشيف موقع الصفصاف مايو - أيار  2014
 

*

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 31-05-2014آخر تحديث