ذكرى انتصار المقاومة اللبنانية - د. فايز رشيد

أربعة عشرة عاماً مضت على انتصار حركة المقاومة اللبنانية , حين انسحبت إسرائيل من الجنوب اللبناني, بل هي اضطرت للانسحاب تحت وطأة ضربات المقاومة،لملم الجنود أسلحتهم واستقلوا آلياتهم ومضوا إلى غير رجعة،فهم يدركون ما ينتظرهم في لبنان من مفأجات.إن معاني انتصار المقاومة اللبنانية على إسرائيل كثيرة وكبيرة ولعل من أبزرها:لأول مرة في تاريخها وفي تاريخ الصراع العربي-الصهيوني،فإن إسرائيل أُجبرت إجباراً على الانسحاب, فهي احتلت الجنوب اللبناني لتبقى طويلاً وتساند عملاءها في لبنان وبقاء دويلتهم العميلة للكيان الصهيوني.إنها أول مرة في تاريخ الصراع تَهزم فيها حركة تحرر وطني عربية , إسرائيل هزيمة ماحقة وساحقة.تجربة الانتصار تشي بإمكانية توجيه الهزيمة لهذا الكيان الذي اعتّد كثيراً بالإدّعاء"بإنه لا يهزم" ,وتشي بأنه إذا ما جرى امتلاك الإرادة إلى جانب الأسلحة فلن يقف العدو أمام طموحات الجماهير العربية.الانتصار شكل درساً في مقاومة حركات التحرر الوطني وفي تجاربها النضالية.الانتصار شكلّ إسناداً عضوياً لحركة المقاومة الفلسطينية ولنهج المقاومة في المنطقة العربية ,وعلى الصعيد الأوسع. بمثل هذه الروحية يجري النظر إلى الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني في 25 مايو/أيار عام 2000.نعم تحرر الجنوب اللبناني على يدي المقاومة الوطنية.

لقد تعزز هذا الانتصار في العام 2006 , حين أعادت إسرائيل الكرّة وقامت بالاعتداء على لبنان مرّة أخرى . ثلاث وثلاثون يوماً وإسرائيل تحاول ضرب سلاح المقاومة اللبنانية , لكنها فشلت في ذلك ولم تستطع تحقيق أيٍّ من أهدافها , بل العكس من ذلك وصلت صواريخ المقاومة إلى الداخل الإسرائيلي , واضطر الكيان إلى إخلاء مئات الألوف من مستوطنيه من شمال فلسطين المحتلة عام 1948 إلى جنوبها.لأول مرة تصل فيها الحرب إلى الداخل الإسرائيلي وهذا ما تتجنبه إسرائيل في حروبها ضد العرب،فهي تُشعل المعارك في أراضيهم وتبقى بمنأى عن تأثيرات هذه الحروب.حاولت إسرائيل تحقيق أهدافها من خلال الحرب البرية فدفعت بكتائب من جيشها لتخوض حرباً برية ضد المقاومة , وكانت المفأجاة حين وقع جنود إسرائيليون في كمائن المقاومة،ولذلك خسرت إسرائيل عدداً كبيراً من جنودها والعشرات من آلياتها.قبل نهاية المعركة إسرائيل طلبت وقفاً لإطلاق النار عن طريق الولايات المتحدة الأمريكية . وفي هذا دليل على نوعية المعارك التي خاضتها في ذلك العام.لقد طلبت الدولة اللبنانية رسمياً من كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك أثناء زيارتها إلى لبنان في بداية الحرب , طلبت وقفاً لإطلاق النار فرفضت الوزيرة الأمريكية هذا الطلب وقالت بما معناه:إن إسرائيل ستمضي في إسقاط سلاح المقاومة , وقد كان هذا أحد الأهداف الرئيسية من العدوان:

إسرائيل في كافة اعتداءاتها وحروبها على الدول العربية لم تكن بحاجة إلى مبررات للقيام بشن هذه الحروب.العدوان هو صفة ملازمة للوجود الإسرائيلي , فلا تمضي عشر سنوات دون أن يقوم الكيان الصهيوني باعتداءات على هذه الدولة العربية أو تلك , أو تقوم بعمليات تخريبية أو اغتيالات لمناضلين في عواصم ومدن العديد من الدول العربية.لذلك لم تكن بحاجة إلى ذريعة أسر جنديين إسرائيليين حتى تقوم باعتداءات على لبنان.لجنة التحقيق التي شكلّتها إسرائيل في عام 2006 للتحقيق في ظروف الحرب التي قامت بها ضد لبنان, أثبتت أن إسرائيل لم تحقق أيضاً أي من أهدافها , وأن القيادات العسكرية الإسرائيلية أهملت بواجبها تجاه الجيش الإسرائيلي , وتجاه معرفة تفاصيل مهمة عن الطرف الآخر(المقصود المقاومة)الأمر الذي يثبت كم استطاعت المقاومة الوطنية اللبنانية خداع الجانب الإسرائيلي في المعلومات،وكم عرفت هي بتفاصيل مهمة عن الجيش الإسرائيلي , وهو ما ساعدها في معركتها ومنع إسرائيل من تحقيق أيٍّ من أهدافها لهذا العدوان.إن من أبرز الدروس التي أثبتتها حركة المقاومة الوطنية اللبنانية في تصديها للعدوان الصهيوني مايلي:أن هذا العدو لا يرضخ سوى للغة القوة في اعترافه بحقوق الآخرين , فسنوات طويلة من المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل لم تُجبر إسرائيل على الاعتراف بحق فلسطيني واحد, بل فإن ما يحصل هو العكس:من خلال المفاوضات تزداد إسرائيل شراسةً ونهماً في الاشتراطات التعجيزية على الفلسطينيين والعرب: كالاعتراف"بيهودية إسرائيل"مقابل إجراء أية تسوية مع أيٍّ من الطرفين.لقد سبق وأن وعد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق شامير بإطالة المفاوضات مع الفلسطينيين والعرب عشرين عاماً.كان ذلك في تصريح له على هامش مؤتمر مدريد.وبالفعل فإن المفاوضات استغرقت واحد وعشرين عاماً.لسان حال نتنياهو يقول:بأنه سيطيل المفاوضات لعشرات السنين أيضاً , بالتالي فلا فائدة من أية مفاوضات يخوضها طرف عربي مع إسرائيل.الكيان رفض"مبادرة السلام العربية"التي اقترحتها قمة بيروت في عام 2002.يريد استسلام الفلسطينيين والعرب للأمن الإسرائيلي ولما تريد إسرائيل فرضه من شروط عليهم.

الذي يمنع إسرائيل من تنفيذ تهديداتها في ارتكاب عدوان جديد على الأرض اللبنانية, هو خشيتها من تكرار ظروف عدوان عام 2006, وبخاصة أن المقاومة اللبنانية تملك ترسانة قوية وصواريخ أحدث ,وأبعد مدى من تلك التي استعملت في حرب تموز 2006.نعم هذا هو السبب.لقد تعزز الانتصار على الكيان الصهيوني بصمود الفصائل الفلسطينية أمام العدوان الصهيوني على قطاع غزة 2008-2009 , وهو ما يعطي ويفتح الإمكانية على آفاق وطموحات فلسطينية وعربية , أبعد مدىً من منع إسرائيل من تحقيق أهدافها في أي عدوان جديدة قد تفكر في ارتكابه.نعم الصراع مع العدو الصهيوني يعود إلى مربعه الأول،والتحية للمقاومة الوطنية اللبنانية في ذكرى انتصارها.

 

---- 

 

الأسرى ماضون حتى تحقيق مطالبهم

 

 د. فايز رشيد


دخل الاضراب الذي أعلنه الأسرى"الإداريون"أسبوعه الخامس , ففي 24إبريل الماضي أعلن نحو 220 أسيراً فلسطينياً معتقلاً تحت طائلة الاعتقال الإداري , إضراباً مفتوحاً عن الطعام احتجاجاً على توقيفهم غير القانوني, وعلى الإجراءات العقابية التعسفية ضدهم.كلٌّ من هؤلاء الأسرى موقوف بموجب قانون"الحكم الإداري"وهو من مخلفات بقايا قوانين الاحتلال(الإنتداب)البريطاني لفلسطين , وبموجبه يتم توقيف المعتقل دون توجيه أية تهمة له.يتم توفيقه فترة ستة أشهر وعند انتهائها يتم تجديدها من القاضي العسكري,وهكذا دواليك إلى أجلٍ غير مسمى قد يمتد عشرات السنين.يجدر الإشارة أن الاعتقال الإداري وسيلةً يستخدمها جيش الاحتلال لقمع حرية الفلسطينيين وملاحقتهم وتقييد حريتهم.الأسرى الإداريون لا يحاكمون ويعتمد التوقيف على ملف وأدلة سرية لا يمكن للمعتقل أو لمحاميه الاضطلاع عليهما.للعلم الدولة الوحيدة في إطار دول العالم التي تعمل بموجب هذا القانون هو الكيان الصهيوني.

من بين الأسرى الإداريين:شيوخ ونساء وأطفال , ومنهم أعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني, ونشطاء في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان ومحامون وتجار وطلبة جامعيين.تضامناً مع الأسرى"الإداريين"خاض 5200 أسير فلسطيني(هم مجموع أعداد الأسرى في السجون والمعتقلات الصهيونية)إضراباً تحذيرياً يوم الخميس الماضي(22 مايو الحالي)وحذر هؤلاء من دخول الآلاف منهم في إضراب مفتوح عن الطعام بدءاً من الأسبوع المقبل.وفي هذا السياق قال محامي وزارة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين رامي العلمي في بيان صحفي أصدره:بأن 50 أسيراً من سجن نفحة انضموا إلى الإضراب المفتوح عن الطعام الأحد(25 مايو الحالي)إضافة إلى 15 أسيراً من سجن عسقلان و 15 أسيراً من سجن ريمون،وذلك لتصعيد وتيرة الضغط على إدارة السجون, للاستجابة لمطالب الأسرى المضربين عن الطعام للشهر الثاني على التوالي.إن ما يواجهه الأسرى المضربون عن الطعام منذ حوالي 33 يوماً(حتى هذه اللحظة)هي حالة تصعيد غير مسبوقة وخطيرة يواجهها هؤلاء الأسرى.أحد الأسرى أبلغ محاميه:أنه تلقى بلاغاً من المخابرات الإسرائيلية يفيد بأنها معنية بموت أحد الأسرى.إن إجراءات الاحتلال(وفقاً لوزير شؤون الأسرى والمحررين عيسى قراقع)تضمنت توزيع منشور من قبل إدارة السجون على كافة الأسرى تعلن فيه: تنصلها من اتفاق شهر أيار(مايو)للعام 2012 والذي أُبرم تحت رعاية مصرية عشية إضراب الأسرى في ذلك العام،والذي نص على إنهاء العزل الانفرادي, ووقف الاعتقال الإداري وتجديده،والسماح لأسرى غزة بالزيارات , وتحسين شروط الحياة المعيشية للأسرى.وقال قراقع أن تنصل إسرائيل من هذا الاتفاق يأتي كرد على استمرار إضراب الأسرى الإداريين وإصرارهم على إنهاء سياسة الاعتقال الإداري بحقهم.

لقد قامت إدارة سجون الاحتلال بإعادة سياسة العزل الانفرادي , وعزلت مجدداً العديد من الأسرى الإداريين من بينهم الأسير حسن سلامة الذي قضى أكثر من 12 عاماً في العزل،وأعادت عزل 17 أخرين كان قد تم إنهاء عزلهم في عام 2012 على رأسهم الأسرى:إبراهيم حامد وعباس السيد وأحمد المغربي من قيادات الأسرى . من المعروف أيضاً أن الكنيست الإسرائيلي يبحث حاليا في مشروع قانون لإقراره بالقراءات الثلاث،يجيز لإدارة السجون الإسرائيلية أن تطعم الأسرى المضربيين الطعام بالقوة؟!يأتي ذلك في ظل تدهور خطير ومتسارع على أوضاع الأسرى المضربين , الذي بدء جزء كبير منهم يُنقل بشكل طارئ إلى المستشفيات الإسرائيلية،وبخاصة أن الأسرى مستمرون في مقاطعة عيادات السجون والفحوصات الطبية وتناول المدّعمات.وفقاً لأنباء وزارة الأسرى أيضاً: فإن المضربين لا يستطيعون التحرك إلا على كراسي متحركة, وأصيبوا بهزال شديد ودوخة وفقدان للوزن ويتقيأون الدم.وقال الأسير المضرب جمال عوني لمحاميته حنان الخطيب"أنه يعاني من هزال وتقيؤ وألم في المفاصل ووجع رأس ودوخة وأرق شديد ولا يستطيع النوم وقال إنه لا يوجد خدمات صحية ولا عناية طبية وأن وزنه نزل 20 كغم".

سلسلة عقوبات إدارة السجون للمضربين تتضمن أيضاً:المنع من الخروج إلى ساحة الفورة(للمشي في ساحة تكون في إطار السجن)رغم قرار المحكمة السماح بذلك ,وأنهم لا يرون الشمس،ويعانون من الرطوبة العالية في الغرف التي يتواجدون فيها،حيث الحمام ورائحته الكريهة جداً والغرف القديمة التي لا تصلح للسكن،وهناك استفزازات دائمة من السجانين ومعاملة قاسية ومماطلة في الاستجابة لمطالب الأسرى ومساومة بفك الإضراب مقابل أي طلب يطلبه الأسرى, إضافة إلى تنكيل شديد بهم وتفتيشات مفاجئة ومستمرة تجرى لغرفهم حيث يتواجدون.

إسرائيل التي تتغنى(بديموقراطيتها)ويبجلها العالم , تفوقت على النازية والفاشية في تعذيب السجناء في معتقلاتها.رغم كل الصعوبات حوّل أسرانا الفلسطينيون الأبطال, السجون إلى مدارس نضالية ضد العدو الصهيوني،وهم برغم الظروف القاسية واللإنسانية في السجون, يزداد إيمانهم بعدالة قضيتهم الفلسطينية, ويزدادون إصراراً على التمسك بالهوية النضالية الفلسطينية والكفاح من أجل تعميقها لديهم.لم يستطع الجلادون النازيون الصهاينة كسر إرادة المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.هذه المعاملة البشعة والقاسية جداً التي تعامل بها إدارة سجون الاحتلال معتقلينا لن تجد مثيلاً لها في سوئها في كل المراحل المختلفة من التاريخ.باختصار هذه هي إسرائيل؟!.



 

 

 

 

 

 

 أرشيف موقع الصفصاف مايو - أيار  2014
 

*

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 31-05-2014آخر تحديث