ملحمة أبو رجب الاسطة بصيدا

في هذه الملحمة لصاحبها المرحوم أبو رجب عملت في صباي أنا والصديقين عامر وطارق.

في العطلة الصيفية في إحدى سنواتنا الدراسية في مخيم عين الحلوة قرب مدينة صيدا الجنوبية اللبنانية، عثرنا انا والصديقين توأم روحي في الطفولة والصبا، طارق وعامر، على عمل في ملحمة ابو رجب في سوق صيدا القديمة، غير بعيد عن القلعة البحرية وضمن المنطقة القديمة التاريخية، بالقرب من الحسبة حيث يأتي التجار والمتبضعون الى هناك من كل قرى وبلدات صيدا وحتى الجنوب اللبناني. كنا نقوم بتقطيع اللحم وجرمه عن العظم وفرمه وتجهيزه، وكذلك بتقطيع البصل والبقدونس وتجهيز أسياخ الكباب والشقف وشيها على النار الموقدة.

كانت الروائح تنتشر في المكان فتدخل أنوف المارة والتجار، فيسرعون لشراء بعضها والتهامها في المكان. وكنا نتقاضى قليلا من المال نوفره للعطلة الصيفية وللرحلات والسهرات الشبيبية. كان يحق لنا يوميا تناول وجبة في المحل، لكنها كانت وجبة خفيفة كنا نعدها بانفسنا.

في أيار سنة 2007 أثناء مشاركتي في مؤتمر حق العودة ببيروت برئاسة الراحل الكبير شفيق الحوت - ابو الهادر - زرت مخيمي عين الحلوة وعائلتي وأصدقائي ورفاقي، وفي مدينة صيدا بعد ان جلسنا في مقهى أبو العبد على الشارع العام الواصل بين صيدا والجنوب وبيروت، مقابل البحر والقلعة البحرية ، وزوارق وقوارب الصيادين، الذين دفع القائد الصيداوي الناصري العروبي معروف سعد حياته لأجل قضيتهم. هناك في المنطقة التي كنا نسميها بحر العيد واعتقد انها لازالت كذلك، حيث يحتفل بعيدي الفطر والأضحى في هذه المنطقة القديمة والبحرية من صيدا. وبعد شيشة معسلة في المقهى وبعض العصير غادرنا المكان سيرا على الأقدام. وبالصدفة مررنا انا وعامر - ابو رامي - قرب الملحمة، واذ به يذكرني بالملحمة التي عملنا فيها صغارا.

كنت بصراحة ناسيها تماما. توقفت أمامها ألقيت نظرات هنا وهناك فلم أجد العجوز أبو رجب. سألت عامر عنه فقال لي انه توفي وان أولاده يديرون الملحمة من بعده. قمت بالتقاط صورة للمكان الذي شهد عملية انضمامي أنا ورفاقي للطبقة العاملة بالرغم من وجودنا في صفوف الطلبة .. هناك في ذاك المكان عملت في صباي وكدحت وكددت لأجل القليل من المال الذي يوفر لي حياة أفضل قليلا في زمن صعب وظروف قاسية وحرب طاحنة.

صيدا توأم روحنا نحن أهل عين الحلوة فهي مدينة الطفولة والصبا والشباب .. مدينة تشبه الى حد بعيد مدينة عكا في فلسطيننا المحتلة. تحية لصيدا والرحمة على روح ابي رجب ولعامر وطارق السلام و دعوة للقاء جديد في صيدا حيث يمكننا تناول المشاوي في ملحمة الأسطة ابو رجب.

قال لي صديقي ان هذه القصة تحكي واقع حال الكثيرين منا في مخيماتنا بلبنان. معظمنا مر بهذه التجربة. هذا صحيح وهذه التجربة نياشين شرف على جباهنا وصدورنا كما قال صديق آخر. وهي ايام عصية على النسيان والأهم فيها انها كانت مليئة بالوفاء والصدق والإخلاص والمحبة والمحبة كما قال صديق آخر. وقلت انا للأصدقاء وللمتابعين في فيسبوك أنني متأكد ان كل شخص يرى هذه الصورة سيتذكر سوق منطقته في بلادنا العربية. أنظروا الى الموز كيف والبصل واللحم كيف علقوا على الجدران والأسقف في المحلات.. أنظروا وانظرن الى نساؤنا يتبضعن..  

صديقي عامر خليل - ابو رامي احد أبطال هذه القصة كتب معلقا:

"ايام ﻻ تنسى ﻻنها رغم العوز والفقر لكنها كانت من أجمل أيام العمر ﻻن فيها إلفه ومحبه، وفيها كانت أول أيام لنا نحصل على المال من تعبنا ... وفيها أحس أهلنا برجولة هؤﻻء الشباب ﻻنهم هم لم يدفعونا الى العمل لكن نحن شعرنا بعبء المسؤولية على اهلنا، لذلك أخدنا قرار ان نرفع عبء احتياجاتنا عنهم. كانت أيام حلوه لعلها تعود الى مخيمنا من جديد".


( نضال - أوسلو - 11-5-2014 )

 

 

 

 

 

 

 أرشيف موقع الصفصاف مايو - أيار  2014
 

*

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 12-05-2014آخر تحديث