وأخيرًا حماس: حط راسك بين الروس - شحادة موسى

حط راسك بين الروس وقول يا قطّاع الروس. هذا مثل شعبي يعبّر عن حالة الشعور بالانهزام والعجز عن المقاومة، فيستسلم المرء ويحشر نفسه بين من ينتظرون قَطّاع الرؤوس.وقد تردد هذا المثل على ألسنة البعض وهم يسقطونه على حركة حماس بعد اتفاقها الأخير مع منظمة التحرير (24/4/2014).ويتصور هؤلاء أن "حماس" كانت مضطرة لذلك بسبب مأزق تعيشه نجم عن محاصرتها وانفضاض الحلفاء والأصدقاء من حولها نتيجة مواقف اتخذتها الحركة أو نُسبت إليها.

ويأتي هذا في سياق ملاحظات تتناول الاتفاق وتؤوّل أسبابه ومآلاته:

من هذه الملاحظات أن الاتفاق جرى بين حركة حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية – وليس مع حركة فتح كما في السابق – فهل المنظمة بكل فصائلها في خصومة مع حماس؟ ومنها أن المصالحة أصبحت مطلبًا شعبيًا ملّحًا بسبب المضار التي يلحقها الانقسام بالجميع وعلى كل المستويات. ثمّ إن هناك الاعتقاد الشائع بأن الانقسام بطبيعته أمر مذموم؛ ففيه فرقة وضعف، وفي الوحدة تآلف وقوة.

ولقد أثار الاتفاق في الوقت نفسه، تساؤلات لدى أوساط من مؤيدي حركة حماس وأصدقائها،وهم يريدون أن يعرفوا حقيقة ما جرى وإلى أين تمضي حركة حماس. فالطرف الآخر (منظمة التحرير) قد حسم أمره واختار طريقه وسمّاه طريق السلام - خيارًا استراتيجيًا لا عودة عنه. يقول الاصدقاء:

1- إنّ شعبية حركة حماس ارتفعت ارتفاعًا ملحوظًا بين جماهير الشعب الفلسطيني بعد اتفاق أوسلو. ولم يكن ذلك التأييد في قطاع غزة وحده (معقل حماس) وإنما في أماكن وجود الفلسطينيين المختلفة.ولم يكن التأييد فلسطينيًا فقط وإنما شمل هيئات وأفرادًا في الدول العربية وغير العربية. ولم يكن المؤيدون من "المتدينين" فقط وإنما كان منهم قوميون ويساريون وعلمانيون.

وما جمع هذا الطيف الواسع من المؤيدين آنذاك هو إيمانهم بأن فلسطين هي لأهلها الفلسطينيون العرب ولا مكان فيها للصهيونية والصهاينة،ورفضهم للخطيئة التي ارتكبتها منظمة التحرير في اتفاق أوسلو فاعترفت بإسرائيل وتنازلت عن الوطن والحقوق الوطنية. وكان الانحياز لحركة حماس لأنها تصدرت عملية الرفض، ورفعت راية المقاومة في حين تخاذل الآخرون وألقوا السلاح واستسلموا لإسرائيل وتنازلوا عن حق الفلسطينيين في وطنهم وهو من أقدس الحقوق؛ فجسّدت حماس بذلك الأمل الباقي في تحرير الوطن وعودته لأهله وعودتهم إليه.

2- والذين أيدوا حركة حماس وتعاطفوا معها وانحازوا لها في خضم الاضطراب الفلسطيني الداخلي لم يفعلوا ذلك لكون حماس حركة دينية؛ ولم يقف هؤلاء عند أشخاص قادة حماس وما إذا كانوا ملتحين أو حليقي الذقون؛ ولم يكن احترامهم وإجلالهم للشيخ أحمد ياسين- مؤسس حركة حماس- لكونه رجل دين، فرجال الدين كثر، وإنما لأنهم رأوا فيه مثال القائد الذي يستمدّ روحه النضالية من إيمانه الصادق بما يحض عليه الدين للقتال دفاعًا عن النفس والوطن والحقوق، ويستند إلى قوة الدين الروحية في تعبئة الجماهير وتوجيهها للقتال من أجل الوطن الذي هو جهاد في سبيل الله. هكذا بالضبط كان الشيخ عزالدين القسام الذي يحمل اسمه مقاتلو حركة حماس.

3- تعرف "حماس" أنّ هؤلاء الذين ناصروها لم ينفضوا من حولها عندما استولت على السلطة في قطاع غزة ووقع الانقسام،مع أنهم يدركون أنّ هذه السلطة هي سلطة "أوسلو" التي أُنشئت بموافقة إسرائيل وعلى النحو الذي تريده.فقد كانوا يتوقعون أن تغيّر حماس هذه السلطة من كونها صناعة إسرائيلية إلى سلطة وطنية ترى في إسرائيل عدوًّا،وتحرّم التعاون معه وتشحذ جذوة المقاومة الشعبية لمحاربته.

لكنّ هؤلاء تساءلوا عن غاية "حماس" عندما رأوها تنشغل بالسلطة وتحيلها إلى أداة للتدخل في سلوك الناس وعلاقاتهم الشخصية والاجتماعية، وهو ممّا لا يدخل في مهامّ حركات المقاومة. وتزايد التساؤل عندما رأوا ها "تضبط" سلاح فصائل المقاومة الأخرى في قطاعغزة وكأنّ السلطة أصبحت غاية لذاتها.

4- والآن، تذهب "حماس" للمشاركة في سلطة أوسلو التي تعترف بإسرائيل وتلتزم بنبذ العنف ومحاربة المقاومة، ويسأل الاصدقاء:

هل انتهى الصراع على السلطة أو بسببها،وسيصبح الخلاف خلافًا في السلطة أي على قوانينها وتشريعاتها؟إنّ المشاركة مع الذين يتحكمون في السلطة والمنظمة هي مشاركة في التنازل عن الوطن وهو مما لا يستقيم مع زعم التمسك بالدين؛ فمن لا وطن له لا دين له، كما هو شائع عند العامة من الناس، والمقصود أنّ نصرة الدين لا تكون من دون نصرة الوطن الواقع تحت العدوان والاحتلال.

هل ستقول حماس إنها تشارك في السلطة ولا تعترف بإسرائيل؟ هذا القول لا يليق بقائله ولا بأبناء شعبنا الذين يوجَّه اليهم هذا الكلام. فمنظمة التحرير التي اعترفت بإسرائيل ليست كيانًا في الهواء وإنما هي اولئك المنتمون إليها: فصائلَ وأشخاص.

إنّ الذين عارضوا اتفاق أوسلو ثم عادوا والتحقوا به كانوا في الواقع يُذعنون لسلطة أوسلو وقوانينها والتزاماتها.وهم قد سبقوا حماس بالقول إنهم لا يعترفون بإسرائيل بل زادوا على ذلك وصفهم لأنفسهم ب "المعارضة"لعلّ ذلك يُبعد عنهم وصمة الارتزاق؛ فالانطباع العام عند الناس أنّ التحاق هؤلاء بأوسلو كان إذعانًا منهم لحاجتهم إلى المال الذي تؤمّنها السلطة. ألا ليتهم وعوا قول السيد المسيح: ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه!

وإذا كانت حماس دخلت في اتفاق المصالحة مضطرة – كما يقال –للخروج من مأزق يحيط بها أو هي أوقعت نفسها فيه، فالخروج المشرِّف يكون بمراجعة النفس والاعتراف بالخطأ والثبات على المبدأ، وليس بالارتماء في أحضان الذين باعوا الوطن يثمن بخس، والانضمام الى طابور الذين أذعنوا وقالوا حط راسك بين الروس. \


 


شحادة موسى – كاتب فلسطيني

أيار/مايو 2014
 

 

 

 

 

 

 أرشيف موقع الصفصاف مايو - أيار  2014
 

*

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 16-05-2014آخر تحديث