رؤية معاصرة لحياة وأعمال المطران غريغوريوس حجّار: أعذب الناس فكراً وكلاماً - سليم النجار


للكتب طبائع البشر، فمنها الجاد الملتزم، ومنها المستهتر اللامبالي، ومنها الجميل الحضور والخفيف الظل، ومنها المُتجهم والحابس، منها المشهور الذائع الصيت ومنها المتواري عن الأضواء، منها الاجتماعي الذي يختلط بجميع الناس ومنها الفوقي المُتحجر الذي يختار أصدقاءه بعناية، وفي النهاية بعضها ارتقى إلى المرتبة الخالدين، بينما ابتلع عالم النسيان البقية لعدة أسباب، منها رداءة نوعيتها أو عدم الاستمرار بطباعتها لتتعرف عليها الأجيال كافة، وهذه الأخيرة هي الأكثر تعرضاً للظلم بين جميع الكتب.

يندرج كتاب جوني منصور ‘رؤية معاصرة- لحياة وأعمال المطران غريغوريوس حجّار’ ضمن الكتب التي تعرضت للظلم كثيرا وليس قليلاً.

يعالج منصور في كتابه هذا، الذي هو أقرب الى الرصد والتحليل، موضوع النهضة في الفكر العربي المعاصر من خلال عَلَم بارز من أعلام الفكر العربي الفلسطيني الحديث هو المطران غريغوريوس حجّار.

يبرر الباحث اختيار هذا العلم بأن مشروعه – حسب رأيه – من أهم وأشمل المشاريع العربية الفكرية المعاصرة في فلسطين في مطلع القرن الماضي، ولأنه ينتمي إلى تيار تنويري تناقض كثيراً مع ما كان سائداً في تلك الفترة.

يطرح المؤلف بعد ذلك عدداً من الأسئلة التي لو يستطيع العرب الإجابة عنها بشكل صحيح لتجاوزا الكثير من المآسي التي يعانونها، من مثل ما هو مفهوم النهضة في الفكر العربي المعاصر؟ ما أسباب فشل المحاولات النهضوية الحديثة؟ ما محددات الفكر النهضوي أو الموقف الحضاري؟ ما الاستراتيجية التي يضعها الفكر العربي المعاصر المتمثل بفكر الحجّار لتجاوز فشل ‘النهضة’ والمضي نحو النهوض والتجدد الحضاري من جديد؟

صحيحٌ أن الكاتب يحرص على الإجابة عن هذه الأسئلة من فكر الحجّار، ومع أنه يضيف إلى أنه سيعرض أيضاً مواقف التيارات العربية الحديثة والمعاصرة من هذه القضايا نظراً لارتباط موقف الحجّار، بمواقف التيارات العربية، وجوهر هذه المواقف للحجّار، نبذ الطائفية، ورفضه لتفرقة الشعب الواحد، ودعواته للتصدّي للانتداب البريطاني الذي كان موجوداً في فلسطين.

يعرض الباحث بالكثير من الأعمال والاستشهادات آراء حجّار، فيورد أن شعار ‘الوحدة الوطنية’ أبان الانتداب البريطاني ودعوة الحاج أمين الحُسيني لذلك، وقد تشمل ذلك في الدعوات والحوارات التي كان ينادي من خلالها ضرورة التصدّي للمشروعات البريطانية والصهيونية.

يلاحظ الكاتب أن مفهوم النهضة عند الحجّار هو المفهوم القائم على الحضارة العربية وهو يقوم على تعرية الواقع من كل غطاء نظري والتوجه إلى الإنسان والطبيعة. ويوضح منصور، أن حجّار، كانت عقيدته الثقافية قائمة على العقلانية والتنوير، وكذلك الحداثة، موجودة في كل تجربة حضارية، وتحمل في خصوصيتها الثقافية لاختلاف التراث والثقافة من حضارة إلى أخرى.

يشدد هذا الكتاب – كما يفيد تقديمه – على ما يشير السؤال عن الهوية العربية جدلاً واسعاً حول العددية في الهوية في ظل الحديث عن تعدد الانتماءات المذهبية والدينية والجهوية والوطنية، من جهة وفي ظل الاحتكاك الثقافي مع الغرب من جهة أخرى.

من هنا تكمن أهمية هذا الكتاب الذي يسعى في دراسته إلى تقديم قراءة نقدية لقضايا الهوية العربية، وعلاقتها باللغة والثقافة والتاريخ والواقع الاجتماعي. ويؤكد منصور، أن مواقف حجّار تتفق مع ما طرحه من مواقف فكرية ونقدية، إذ يؤكد منصور ‘المطران حجّار نموذج لشخصية فذة عَرفَت وعَرّفت نفسها بوضوح دون تلعثم أو تلكؤ أو تراجع، وهو نموذج واضح لمُنتم إلى حيث يجب أن يكون منتمياً، إلى شعبه العربي وحضارته العربية، ونموذجاً لشخصية منفتحة بعيدة جداً عن أي شكل من أشكال الإنغلاق والتقوقع′.

ينطلق هذا الكتاب من الصحوة العربية الأولى في القرن التاسع عشر وإذ يقدم هذا العرض الشامل، فإنه يهدف إلى عرض المعوقات التي واجهت ولا تزال تواجه مشاريع التغيير السياسي في الوطن العربي، وفي مقدمتها فشل الارادات للنخبة الثقافية العربية في تحقيق التعددية الثقافية والالتزام والتسامح الذي يفضي بالتنوع والقبول بالآخر (المعارض والمختلف في التفكير).

ويرى المؤلف أنه إذا كانت الصحوة العربية الأولى تمحورت حول سبل الاستقلال من القوى الاستعمارية فإن الصحوة التي دعا اليها المُطران حجّار هدفت إلى التغيير السياسي التنويري وبناء الدولة الديموقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وفي هذا السياق، يشدد على أن أياً من الثورات العربية الفلسطينية التي اندلعت لمواجهة الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية لن تصل بفلسطين إلى بر الأمان من خلال استخدام القوة أو القمع بين المختلفين سياسياً في المشهد السياسي الفلسطيني، أو ازاحة دكتاتورية الشخصيات التقليدية التي كانت متزعمة آنذاك المشهد السياسي الفلسطيني، لتحل مكانها دكتاتورية جديدة، ألا وهي دكتاتورية الفكر الواحد، بل ينبغي أن تكون هناك إرادة للتغيير من الداخل على أساس من التسامح واحترام التعددية السياسية والدينية والعرقية، وبما يؤدي إلى تحقيق الهدف المنشود، بالتحرر والتقدم.
لا شك في أن هذا الكتاب يُغني عن قراءة العديد من الكتب التي تتناول فكر النهضة نظراً إلى منزلة المطران غريغوريوس حجّار، وإلى براعة المؤلف في تناول أفكاره وطريقة عرضها، ووفرة الإستشهادات إلى حد قد يُنسي القارئ أحياناً أنه يقرأ كتاباً مُغايراً لنتاج هذا المُفكر الكبير.

إنه باختصار شديد كتاب ممتع لما يقدمه من أفكار وآراء رغم غلبة طابعه الأكاديمي، ومنهجيته المُحكمة إضافة إلى سلاسة أسلوبه.

سليم النجار
 

 

 

 

 

 

 

 أرشيف موقع الصفصاف مايو - أيار  2014
 

*

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 21-05-2014آخر تحديث