جميل كنج .. عشق ايطاليا فبقي فيها ومات هناك .. - الحلقة السادسة
 

 

 

Il mio viaggio a Bologna, Italia. parte VI - Nidal Hamad

الى صديقي جميل كنج .. وداعا ايطاليا .. وداعا جميل الجميل.

جميل كنج .. عشق ايطاليا فبقي فيها ومات هناك .. - الحلقة السادسة
 

مع مرور الأيام في مدينة بولونيا تعززت علاقتي بالصديق اللبناني جميل كنج.
كان شابا يانعا، وطنيا، يساري الهوى، طيب القلب، بشوش ومبتسم دوما، توافقيا واصلاحيا وجامعا لا مفرقا.
احببت جميل واستمتعت بالجلوس معه والتحدث اليه والاستماع لاحاديثه. كنا نقضي الايام في الاحاديث والحوارات والجدل والنقاشات. وكان لكل واحد منا رؤيته لما بعد بيروت الحصار ولما بعد الاحتلال والانهيار وصعود القوى الرجعية الانعزالية الفاشية لحكم لبنان بفضل الدبابات الصهيونية. وبسبب خروج المقاومة الفلسطينية و تراجع دور الحركة الوطنية اللبنانية. تحدثنا ايضا في بروز قوة حركة امل وبدايات نشوء طلائع حزب الله في لبنان. وعن المخيمات الفلسطينية التي تركت لتستباح.

كنا نقضي اوقاتنا في التنزه والتسكع في شوارع وساحات وميادين مدينة بولونيا الجميلة، في مقاهيها المميزة وغير بعيد عن جامعتها العريقة. هذه الجامعة التي تأسست في القرن الحادي العشر. فجامعة بولونيا تعتبر من اشهر الجامعات واعرقها في اوروبا والعالم، تأسست سنة 1088 وكانت تجمعا وملتقى لطلاب العلم من كل اوروبا في العصور الوسطى. ويقال انها اهم منارة علمية في عصر النهضة. ففي جامعتها درس في تلك الفترة 2000 طالب من جميع دول اوروبا.

في 1983 عندما تعرفنا على بولونيا كانت الجامعة لازالت منارة علمية شامخة. وكان يدرس فيها عدد كبير من الطلبة الفلسطينيين والعرب. اليوم يدرس فيها نحو مائة الف طالبة وطالبة. موقعها بقي هو نفسه مع بعض التوسع الذي اقتضته الحاجة الزمنية وتكاثر طالبي العلم فيها.

هذا كله أغرى وشجع زميلي وصديقي جميل على التفكير جديا بالبقاء في ايطاليا والدراسة في جامعة بولونيا العريقة, فهو انساني لابعد الحدود، يحب مساعدة الآخرين والعمل لاجل اسعاد المعذبين والمحرومين.

كان جميل يهتم كثيرا بمساعدة الجرحى وترفيههم والترويح عنهم في محنهم ومعاناتهم. وكان يقول لي انه يريد ان يختص في صناعة الاطراف الاصطناعية لان لبنان يعاني من تكاثر فاقدي ارجلهم وسيقانهم واطرافهم بسبب الحرب الاهلية هناك والغزوات الصهيونية المتعاقبة. كان يقول لي ذلك وهو يمعن النظر في ساقي المقطوعة تماما والتي لم يتبقى منها اي شيئ ... او وهو ينظر بحزن والم الى ساق ابن مخيم شاتيلا حيث حصلت المجزرة، ساق الطفل فادي المبتورة من تحت الركبة.

في مرة من المرات وقفنا بالقرب من مدخل الجامعة وأخذنا ننظر الى الطلبة وهم يدخلون ويخرجون من الجامعة.
فجأة قال : هل تعرف من تخرج من هذه الجامعة من مشاهير ايطاليا؟
قلت له : لا اعرف .
قال: من مشاهير علماء العصور الوسطى كان يدرس هنا إرنيريوس، وكذلك كان من طلابها المعروفين والمشهورين دانتي أليغييري وجوفاني بوكاتشو وفرانشيسكو بتراركا.
لم أسأله من هم هؤلاء لانني خجلت من نفسي حيث انني لم اكن اعرف اي منهم ولم يسبق لي ان قرأت او سمعت عنهم.
ولحسن الحظ انه انهى كلامه عنهم وتوجهنا معا باتجاه برجي الحمارين الشهيرين في بولونيا.

بالمناسبة بولونيا مدينة عرف تاريخها بالابراج الكثيرة التي كانت تنتشر في كل المدينة والتي دمرت فيما بعد نتيجة الحروب او العوامل الطبيعية. كما تعرف ايضا باقواسها المنتشرة في كل البلدة القديمة والممتدة حتى دير سان لوكا الشهير. كما ان برج ازينيلي الشهير يعتبر من اهم معالم المدينة، فهناك كنا نتسكع انا وجميل وبعض الاصدقاء من الجرحى و من الطلبة الفلسطينيين والعرب الدارسين في بولونيا او من الاصدقاء الطليان الذين كانوا يأتون لزيارتنا ومن ثم اصبحوا رفاقا وزملاء لنا يقضون معظم اوقاتهم معنا.

شاءت الصدفة انني التقيت اليوم 21-05-2014 باحدهم وهو رفيق وصديق طلياني كان يزورنا سنة 1983 في مقر اقامتنا ببولونيا. جاء مع زوجته لزيارة النرويج والتعرف على معالمهاز وقد ابلغني بذلك قبل السفر واتفقنا على اعداد برنامج سياحي له. ومن ضمنه سيكون هناك احاديث سياسية ونقابية كثيرة و غذاء رسمي تقيمه على شرفه وشرف زوجته الهيئة الادارية للجالية الفسلطينية في النرويج، وكذلك زيارة للبيت الفلسطيني في غرونلاند بأوسلو حيث مقر كافة لجان التضامن النرويجية مع الشعب الفلسطيني.

قبل اسابيع وتحديدا في النصف الأول من شهر نيسان - ابريل الفائت سافرت الى ايطاليا لتوقيع كتابي ( فجر العصافير الطليقة) المترجم للغة الايطالية. وقعته في عدة مدن ايطالية ومن ضمنها مدينة بولونيا. جرى التوقيع في نفس المستشفى الذي نزلت فيه يوم وصلت مدينة بولونيا قادما من بيروت في آذار - مارس 1983 وقضيت فيه اولى ليالي الايطالية. هذا المكان يذكرني بجميل الذي كان يأتيني الى هناك او كنا معا نذهب الى هناك لمراجعة الاطباء واجراء الفحوصات.

بعد الانتهاء من توقيع الكتاب جاءني الرفيق الطلياني ( الموجود اليوم في زيارة باوسلو) وهو اليوم من قادة لجان التضامن مع الشعب الفلسطيني في ايطاليا. وممن كانوا يزوروننا في تلك الفترة من الزمن في مقر اقامتنا على شارع بسانو ديل غرابا. سألني عن بعض الزملاء الذين تعالجوا هنا ضمن دفعتنا من الجرحى. وسألته انا بدوري عن جميل كنج الذي سألت عنه كثيرا في السنوات الماضية لكن لم اجد من يعرفه او من يستطيع مساعدتي للوصول اليه من جديد. رفيقنا جانني ابلغني بكل اسف أن جميل توفي في حادث سير في العاصمة روما قبل نحو 15 سنة. وللعلم فان جميل كان صديقا حميما لجانني، الذي ظهر الحزن على محياه وتقاسيم وجهه حين ابلغني بالخبر الاليم والحزين.

في بولونيا وبالتحديد في ساحة نيتونو والميدان الكبير الذي يقع خلفها وعلى مدرجات كاتدرائيته العريقة وعند نافورة نبتون الشهيرة وفي ميدانها الكبير قضينا اوقاتا جميلة ورائعة.

مازالت الصور العديدة المحفوظة في ذاكرتي والأخرى الموجودة في البومات الصور تذكرني بتلك الايام الايطالية البولونية التي عززت من عملية التحول الفكري والحياتي لدي كشاب في اول طلعته وبدايات تكوينه. فاجأته الحرب بإعاقة جسدية صعبة، قررمنذ اللحظة الأولى تجاوزها و التغلب عليها.

في المدينة الجميلة التي تعتبر مثالية لمن يحب السير على الأقدام .. تعارفنا انا وجميل وأكثرنا من السير على الأقدام العادية والاصطناعية. أولا بدأت التسكع هناك مع جميل سائق عربتي المتحركة على عربة متحركة. ثم بعد علاج اسابيع على عكازتين،ومن ثم بعكازة واحدة.

افترقنا نهاية سنة 1983 في روما عاصمة ايطاليا. بقي هو هناك وعدت أنا الى سورية ولبنان. ومن ثم شاءت الأقدار ان يقضي جميل ويفارق الحياة في روما ..رحل عن عالمنا هناك في البلاد التي عشقها واحبها وصمم على البقاء فيها.

وداعا ايطاليا .. وداعا جميل الجميل ..

نضال حمد

تتبع الحلقة السابعة

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=696601360407648&set=pcb.696601553740962&type=1&theater

 

روابط حلقات سابقة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نضال حمد - من خزان الذاكرة -

روابط


http://www.safsaf.org/word/2014/mars/80.htm

http://www.safsaf.org/word/2014/mars/99.htm
 

http://www.safsaf.org/word/2014/feb/124.htm

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 أرشيف موقع الصفصاف مايو - أيار  2014
 

*

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 22-05-2014آخر تحديث