الحلقة الثالثة من رحلة العلاج في ايطاليا بعد حصار بيروت ومجزرة صبرا وشاتيلا 1982
 

 لقاء على عربة متحركة وبلحية سوداء طويلة - الجزء الثالث من ذكريات العلاج في ايطاليا بعد حصار بيروت ومجزرة صبرا وشاتيلا سنة 1982

 بقلم نضال حمد

مرت أيام على وجودي في بولونيا حين قررت ان اجري اتصالا هاتفيا بقريب لي لا أعرفه ولا يعرفني مضى على وجوده في ايطاليا سنوات طويلة.

كان العم جميل الزيّن - ابو إسماعيل حمد - وهو ابن عم والدي ووالدتي، وهو ايضا قريب قريبي الموجود في ايطاليا، وجار عائلته التي فقدت الوالد والوالدة في مخيم شاتيلا، قبل ان تتكحل أعينهم بلقاء ابنتهم التي مازالت تعيش في الجليل في بلدة مجد الكروم بفلسطين المحتلة، وهي بالمناسبة والدة الفدائي المناضل الاسير المحرر منير منصور رئيس جمعية اصدقاء الاسير في فلسطين المحتلة سنة 1948. عندما حصلت نكبة فلسطين تشردت العائلة مثل كل الفلسطينيين ولم يبق منها سوى فاطمة التي بقيت مع زوجها في بلدة مجد الكروم بينما الأهل تشردوا الى لبنان واستقروا في مخيم شاتيلا قرب بيروت.
بعد ان سرق الصهاينة فلسطين صارت فاطمة بالرغم عن انفها وأرادتها مواطنة ( درجة أخيرة) في كيان عنصري فاشي استعماري يحتل ارضها ويشرد اهلها ويسرق وطنها. تشتت العائلة كما معظم عائلات فلسطين والجليل بالذات، ابناؤها وبناتها تشردوا ولجأوا في العالمين العربي والغربي، تاركين خلفهم ديارهم ومنازلهم وزرعهم وكل شيء يملكونه منذ وطأ هذه الأرض سيدنا كنعان ابن سام ابن سيدنا نوح عليه السلام. تركوا كل شيء في الصفصاف بفلسطين المحتلة ومن ثم منزلهم في مخيم شاتيلا. هذا المنزل الذي حرص العم ابو اساعيل عليه كما كان يحرص على منزله.

يوم غادرت الى ايطاليا مودعا شاتيلا بالدمع كتبت رقم الهاتف واسم قريبي على ورقة واحتفظت بها مع وثيقة سفري كي لا اضيعها. ولم اكن اعرف يومها كم تبعد مدينة فلورنسة عن مدينة بولونيا الى أن اكتشفت بعد وصولي الى هناك انها قريبة ولا تبعد عن بولونيا اكثر من 100 كلم.

قريبي اسمه محمد غادر لبنان للدراسة في ايطاليا، درس هناك وبقي وتزوج ومارس عمله ككل مواطن صالح. هو لا يعرفني وأنا لا أعرفه، لا هو سبق له ان رآني او تكلم معي ولا أنا ايضا سبق لي ان تكلمت معه أو رأيته.
لكن يتوجب علي الآن أن ارفع سماعة الهاتف وأجري اتصالا به.
لكن أولا وقبل ذلك تلزمني مساعدة من شخص مقيم هنا.
إذن ليس لي سوى أن أطلبها من أحد الأصدقاء من الطلبة الفلسطينيين، الدارسين في بولونيا أو في المدن الأخرى القريبة أو البعيدة. هؤلاء الطلبة الذين كانوا يزوروننا بشكل دائم وبلا انقطاع، وتقريبا كل يوم طوال فترة اقامتنا وعلاجنا في بولونيا. كانوا سندا لنا، ورفقاء واشقاء سعدنا بالتعرف عليهم، روحوا عنا كثيرا وانسونا بعضا من همومنا ومتاعبنا وآلامنا.
مازلت حتى الآن أتذكر السهرات الجميلة واللقاءات الرائعة معهم، والرحلات التي أخذونا فيها داخل وخارج بولونيا حيث تعرفنا أكثر عليهم وعلى ايطاليا والطليان. كانوا منقسمين سياسيا وفكريا مثلنا تماما، يعني مثل كل الفلسطينيين. لكن وجودنا هناك وحدهم في اللقاء والاجتماع عندنا كل يوم.
لو اردت الآن أن اتذكر اسماءهم لا بد سوف أنسى البعض وعلى هؤلاء البعض بعد 31 عاما على فراقهم أن يعذروني إن غابت أسماءهم عن هذه القائمة من الأسماء التي ظلت عالقة في ذاكرتي : بسام العامودي، ابراهيم التعمري، صالح، سمير ابوزيد، مروان حجاوي، اسماعيل، جميل (بولونيا)، علي موعد( بيزا)، محمد العابد، صنع الله، نوفل ( جنوى) وخميس.

رن جرس الهاتف في منزل أو مكتب قريبي محمد حمد .. رنة، رنتان، ثلاثة.. رفعت سماعة الهاتف وجاء الصوت من البعيد برونتو ..
قلت: السلام عليكم ..
وجاءني الجواب وعليكم السلام ..
قلت : هل أنت محمد حمد .. وتابعت أنا اسمي نضال حمد ووالدي فلان الفلاني ابن عم والدك، ورقمك هذا اعطاني اياه عمك - عمي - جميل الزيّن ( ابو اسماعيل) في مخيم شاتيلا. . وأنا جريح خرجت من أنقاض المذبحة، عشت و رفضت الموت، وها أنا إليكم هنا حضرت لأعود واقفا على ساقين بعد أن طيروا لي ساقي .. جئت الى بولونيا مع بعثة جرحى لبنانيين وفلسطينيين عبر بلديتها وذلك لتلقي العلاج.
عمري 19 سنة، وشكلي كالتالي: شعر اسود ولحية سوداء، حين تحضر تجدني على عربة متحركة.
نسيت ان اقول له ان كثيرين منا نحن الجرحى نستخدم العربات المتحركة و شعر غالبيتنا ايضا لونه اسود وكذلك لون لُحانا..

كان محمد على ما يبدو متلهفا للقاء اي قريب له بعد هذا الغياب الطويل عن المخيم. يمكن ان لهفته ازدادت اكثر بسبب الغزو الصهيوني للبنان ومن ثم ارتكاب الصهاينة والفاشيين اللبنانيين الانعزاليين مذبحة مخيمي صبرا وشاتيلا حيث منزل والده ووالدته. وحيث طفولته وشبابه وروحه التي لازالت تلهو تحت (عريشة) الدار وفي ظل شجرة التين التي تعتبر جزءا من تراث اللاجئين الفلسطينيين، لأنها حاضرة في (حواكير) أي حدائق غالبية سكان المخيمات من الفلاحين، فالأرض والشجر مثل الروح لهؤلاء. ويكفي ان حرفين أبجديين من كلمة تين تجدونهما في كلمة فلسطين.

طلب محمد التحدث مع احد الاصدقاء لكي يعطيه العنوان ورقم الهاتف واسم الشارع والمنطقة في مدينة بولونيا.

قال لي قبل ان يودعني قريبا سوف أزورك. وسألني إن كنت أريد أو أرغب اي شيء.. فأجبته (بدي سلامتك) فقط.

بعد ايام واعتقد انه كان يوم سبت نهاية الأسبوع وصل محمد الى مكان إقامتنا واذا لم تخن الذاكرة يومها تقدم محمد من أحد الأصدقاء الجرحى الذي كان يجلس على عربة متحركة ولحيته سوداء وطويلة كما شعره، وهم بعناقه وتقبيله والتكلم معه. لكن صديقي الجريح والذي غاب عني اسمه، والذي كان على علم بأنني انتظر وصول قريب لي لزيارتي كلانا لم يسبق له أن التقى أو رأى الآخر من قبل..
قال له : لست انا نضال، بل هو الشخص الجالس هناك.
توجه نحوي تعانقنا وجلس بقربي حيث قدم بعض الهدايا التي جلبها معه. وتحدثنا مطولا في موضوعات كثيرة لا اذكر منها شيئا الآن. لكن مازلت أذكر أنه حين هم بالذهاب وضع في جيبي مبلغا من المال. عاد الى فلورنسه واتفقنا على اللقاء ثانية وأظن أننا التقينا مرة ثانية ومنذ ذلك الوقت وحتى العام الفائت لم أكن أعرف عنه اي شيء. بالرغم من عدم فقداني الامل و محاولاتي المتكررة خلال سفري المتواصل الى ايطاليا خلال السنوات السبع الأخيرة، والبحث عنه لكن بلا فائدة وبدون نتيجة. زرت فلورنسه كثيرا وأقمت في مخيم صيفي في فياريجيو على مدار سنوات ثلاث، فياريجيو مدينة جميلة غير بعيدة عن فلورنسه، تفصل بينهما مدينة بيزا الشهيرة ببرجها المائل. اذن كنت على مقربة من محمد لكن لا أحد هناك يعرف محمد. سألت عنه كل الذين شاركوا في مخيم التضامن مع فلسطين، الذي حرص على إقامته بشكل سنوي الرفاق في الاتحاد الديمقراطي العربي الفلسطيني في ايطاليا - أوداب - . لكن كل المحاولات لم تؤت ثمارها ولم تنجح في العثور على أي اثر لمحمد كما كان هو الحال في محاولاتي حتى هذه اللحظة للعثور على الصديق علي موعد الموجود في ايطاليا لكن اين لا ادري ولا احد يعلم.

حياتنا نحن الفلسطينيين لا احد يحسدنا عليها ..
نهاية سنة 2012 زرت دبي وهناك تكلمت مع احد أقربائي الذي سألني عن محمد في فلورنسه فقلت له أنني بحث عنه طويلا ولعدة سنوات دون نتيجة.
قال لي أبشر شقيقه هنا وكما فهمت أنهما على اتصال دائم ..
قلت إذن أريد رقم هاتفه.
وكان لي ما أردت.. وفور عودتي من دبي الى أوسلو اتصلت بمحمد، وكان اتصالي مفاجئا له بعد كل سنوات الغياب، لكنه تلقاه بإعجاب وحب وتقدير، وكأنه أعاده من جديد الى مخيم شاتيلا وطفولته حيث من تبقى حياً من أهله وناسه، وحيث يرقد والده في مقبرة المخيم. منذ ذلك الوقت وبعد تلك المهاتفة عادت العلاقة من جديد لكن فقط عبر الهاتف. اذ لم نلتق بعد وقد يكون اللقاء عما قريب خلال توقيع كتابي ( فجر العصافير الطليقة ) المترجم للايطالية بفضل ومن قبل د. الشاعرة والأديبة المغربية أسماء غريب. والذي سيتم توقيعه في عدة مدن ايطالية خلال شهر نيسان ابريل القادم، ومن ضمنها مدينة فلورنسه حيث يسكن محمد ومدينة بولونيا حيث كان لقاؤنا الأول في مثل هذه الأيام من سنة 1983.

يتبع

نضال حمد - من خزان الذاكرة -

الحلقتان الأولى والثانية

http://www.safsaf.org/word/2014/mars/80.htm

http://www.safsaf.org/word/2014/mars/99.htm
 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 25-03-2014آخر تحديث