مهرجان القرود - أحمد حسين

وأخيرا صدر البيان الصهيومريكي عن الجامعة العربية . ومن الواضح أن أمريكا لا تلعب بالكلام ،هذه المرة ، على لسان قرود المهرجان كما اعتادت . هناك ملامح لكلام يطرح بالتداعي أو المباشرة أمورا غاية في الخطورة . ويبدو أن الصهيومريكية قد استجمعت كل شجاعتها ، واتخذت قرارها المأساوي بإزاحة التردد جانبا ومواصلة مشروعها الكوني إلى غايته المصيرية بأي ثمن . إن التعديلات التي أدخلتها تزيد الوضع العالمي عبوسا ، وتؤكد على تصميمها ، في مواجهة جميع الأطراف الذين استرسلوا في لعبة عض الأصابع المملة ، لا لتطيل مشاهد التأزم الدرامي الفارغة التي كلفتها الكثير من هيبتها لدى الأعداء والأصدقاء معا ، وإنما لتوقف عروضها الصبيانية بقرار أخير غاية في الوضوح ، قامت القرود بعرضه بلهجة هي أقصى ما يستطيعه القرد المدرب من الجدية والرزانة ، التي يقف لها شعر الرأس .
لا ليهودية إسرائيل ! لأن ذلك مناورة مهرجانية تخريبية على حساب المشروع الشرق أوسطي المشترك لا لزوم لها. ويمكن ضمان دور إسرائيل المتميز في المشروع بطرق بديلة وعلى نطاق اقتصادي أوسع ، وبمهرجانية القرود وحدها . على إسرائيل أن تختار بين السلام مع الهيمنة الفعلية على غابة القرود الغنية بالثروات ، أو الهيمنة غير الفعلية على الأسيجة الحدودية والأساطير، وخسارة كل شيء . لقد تغيرت شروط المناقصة الدولية ، ولن نغامر بخسارة أهم لوجستيات مستقبلنا الكوني من أجل رومانسيات الآخرين عديمة الجدوى . سنظل نضمن أمن إسرائيل ولكن بموافقتها فقط وليس رغما عنها .

لا لوقف الإرهاب في سوريا بدون ثمن. سنصر على قلب الأوضاع في سوريا في حدود نحن نحددها . لا يمكن الإنتصار على الإرهاب بدوننا حتى الآن ، ولن نتخلى عن هذه الميزة التي تلاحقنا بالحسم قبل فوات الوقت. انتصرنا على الإتحاد السوفييتي ، وسننتصر على سوريا . وليس من الصعب على السوريين أن يعرفوا أن هذا يشكل أهم ضرورة استراتيجية لا تراجع عنها بالنسبة لمشروعنا الكوني . عليهم أن يفاوضونا على المواقف والعلاقات البينية والإقليمية وديموقراطية النظام والتسويات الشرق أوسطية . لذلك لا مكان للنظام القائم حاليا من الناحية المنطقية ، لأنهم ضد أية تسوية . ليس أمام سوريا خيار آخر غير استمرار الإرهاب بوتائر أعلى من السابق . بقاء النظام السوري الحالي ، يهدد بسقوط عدد من الأنظمة الإقليمية المحيطة بها ، لذلك من المؤكد أن هذه الدول لن تسمح ببقاء هذا النظام . أما الدول المتحالفة معها فهي تعاني من أزمات داخلية .

الفلسطينيون لم يعودوا قضية . إنهم الآن مجرد مشكلة إسرائيلية - أردنية ، ومشكلة مناصبية داخلية . كل الخيوط بأيدينا من الناحيتين . على عباس أن يذهب إذا ظل على جبنه ، وسنأتي ببديل شجاع له خاصة بعد أن نحل قضية يهودية إسرائيل . الشعب الفلسطيني لم يعد جديا بالنسبة لقضية العودة . فهو يدرك أنها أصبحت زينة وجدانية فقط . ولدينا وسائل كافية لتجعلهم يرفضون العودة بأنفسهم .

هذه القراءة أكثر من مجرد توقعات . أنها الإستدلال المنطقي لطبيعة الملابسة الصهيومريكية . فالحديث عن هزيمة صهيومريكية أدت إلى تحول في النوايا الإستراتيجية لهذا الطرف الكوني المتغول ، الذي لا يمكن قراءته خارج منطقه الخاص ، فيه الكثير من التفريط الخطر . وأقصى ما يمكن توقعه بالنسبة إليه هو التوغل في حسابات غير دقيقة ، أدت إلى تعثر التنفيذ ، وبالتالي إلى تحول في التكتيك المتبع . لقد طرح هذا الطرف سقفا عاليا لطموحات الهيمنة بلغ حد الشذوذ المنافي لواقع التلقي لدى مواقع استراتيجية أخرى أقل طموحا ، ولكنها أيضا لم تصل من الضعف حد التخلي التام عن الإرادة للصهيومريكية . هذا الوضع خلق وضعا خطيرا بينها وبين أصحاب السقوف العالية في التناسب ، يجعل من تنفيذ أهدافها المغالية أمرا صعب التنفيذ ، وفي نفس الوقت يجعل من التراجع النسبي تخليا عن مشروعها ، وسقوطا مريعا عن سقفها الإستراتيجي الشاهق العلو . وهذا لا يعني نهاية حلم الهيمنة الكونية فقط ، وإنما يعني التدحرج إلى موقع القوة المتراجعة . وتلك كارثة لا يتحملها العقل الذاتي السوي ، فكيف بالعقل الأنوي المختل ؟ من المؤكد أن الخلع في هذه الحالة سيجعل من مواصلة الإختلال خيارا وحيدا ... وقرارا سياسيا مكافئا لمنطق الحالة .

واختلال القوة الإمبراطورية ، هو اختلال وجداني في جميع الحالات ، لا يصيب ميكانيزم العقل ، فيظل العقل قادرا على أداء قرارات الوجدان المختل بكفاءة وظيفية أعلى حتى من المعتاد بسبب الدافع الوجداني المتحمس . لقد كادت النابليونية والنازية تبتلع العالم بوسائل أقل غناء بما لا يقاس ، مقارنة بالإختلال الإمبراطوري الصهيومريكي . لذلك فسيظل عقل الأخير قادرا على إدراك أن توظيف لاأخلاقية العقل المجرد ، وصدمة العنف المتحلل ، واندفاع الغريزة ، هي أمور ستكون في صفه عند المواجهة .

إذن فعودة الصهيومريكية إلى مشروعها بحذافيره أمر مؤكد ، ولكن بتعديلات تكتيكية على أدواتها السياسية. ومع واجهة "إيديولوجية " مختلفة لتلك الأدوات . سيقفز دور الليبراليين إلى الواجهة في سوريا وروسيا ودول الربيع العربي . سيخفت صوت الإرهاب الرث ، ويتحول الإخوان المسلمون إلى الفقه الليبرالي الديموقراطي . ولكن توظيف الليبراليين الحقيقيين " عملاء أمريكا السياسيين " الذين وقفوا وظيفيا وراء الإخوان العدميين في الربيع العربي ، مختلفا . سيقود الإخوان سرا أو جهرا عناصر النصرة وداعش عسكريا ، بعد اختفائهم عن المسرح ، ويعودون بهم إلى سوريا كحراك ثوري ديموقراطي ليبرالي وحضاري , بينما ستتصدر المعارضة الليبرالية داخل سوريا وخارجها ، الواجهة السياسية الثورية المعتدلة . أما العصا الغليظة فستكون تركيا وإسرائيل تحت راية تهديد أمنها القومي ، والدول العربية التي ستصبح سياسيا دولا في حالة حمل بالديموقراطية والليبرالية تؤدي أدوارا لوجستية مهمة في سوريا مثل الأردن ، ودول الربيع . وفي مرحلة لاحقة ربما تذهب الاليات الخليجية الحمراء إلى جنيف لاستدعاء الفصل السابع .

أما روسيا ، فهي دولة ليبرالية الهوية . وزراعة الإرهاب الليبرالي داخلها أقل صعوبة من سوريا . ولكن في يد النظام هناك أوراقا أكثر من سوريا يلعب بها في جميع المجالات . وأهم هذه الأوراق أن روسيا ليبرالية قومية قوية . ولديها مؤسسات ذات خبرة تراثية في مواجهة أمريكا . والأمر الثاني أن الديبلوماسية الروسية بقيادة السياسي النبوي الشجاع بوتين ، تلعب في هذا العالم التعيس دورا حضاريا راقيا لم يكن له مثيل من قبل ، ومصدرا للأمل لدى الشعوب التي سحقت أمريكا إنسانيتها . وفي المقابل في المعسكر الديبلوماسي الأمريكي ، يبدو الأمر على حقيقته التي تثير الفزع . أناس كريهون كاذبو المظهر والمخبر ، يمكن بسهولة تصور أنهم مسوخ من كوكب غير الأرض . لا أستطيع أن أتصور أن أمريكيا سويا يمكن أن ينظر إليهم بدماثة عقلية أو وجدانية . حتى لو نظرت إليهم يإنسانيتك البسيطة فستشعر بأنهم مختلفون . وهم مختلفون فعلا لأنهم أرادوا ذلك بكل قوة وحصلوا عليه .

نحن بانتظار الجولة الثانية للمشروع الصهيومريكي " الليبرالي " السحنة ، الذي بدأت بعض النوافذ الإعلامية المجهولة الهوية تروج له ، في شخص بعض ليبراليي المعارضة السورية من المدربين سلفا على الرهافة الذاتية ونعومة الملمس حتى بالقدم غير العارية . سننتظر ونرى ما يقوله الشعب الأمريكي لركاب الدرجة الأخيرة في قطار الإنسانية . لقد آن له أن يضرب الطاولة .

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 30-03-2014آخر تحديث