للعـائشـتيـن - نضـال حمد



(الى عائشة اللبنانية أم الأسير يحيى سكاف وعائشة الفلسطينية أم الأسير عمار الزبن .. رحلتما لكن الأمل بعودة الأسرى باقٍ ...)
 

قبل أيام توفيت في لبنان السيدة عائشة سكاف والدة الأسير اللبناني يحيى سكاف المفقود في السجون (الإسرائيلية) منذ تنفيذه عملية تل أبيب مع المناضلة الشهيدة دلال المغربي ورفاقها الآخرين يوم 11 مارس - آذار 1978 ، ويقال ان اسر البطل يحيى تم في ذلك اليوم بعدما استشهد باقي أفراد المجموعة. ففي ذلك اليوم المشهود استطاعت المجموعة الفدائية تكبيد الاحتلال خسائر فادحة بالأرواح و البطل يحيى سكاف أسر ليصبح في عداد المفقودين.

لم تنفع جميع الوسائل في تحريره أو معرفة مصيره، فالاحتلال الصهيوني ينفي وجوده في معتقلاته وزنازينه، مع العلم أن هناك بعض الأسرى الذين قالوا أنهم رأوه وتعرفوا عليه في الأسر. وكانت جرت أكثر من عملية تبادل للأسرى بين الأطراف العربية والصهاينة لكنها انتهت بدون معرفة أي شيء عن البطل الأسير الرفيق القومي يحيى سكاف، الذي ولد سنة 1959 في بحنين بشمال لبنان، والتحق بالحزب السوري القومي الاجتماعي سنة 1975 ولبى نداء فلسطين في العملية الشهيرة التي نفذتها مجموعة من حركة فتح بقيادة الشهيدة دلال المغربي، وبصحبة رفيق الحارة والصبا، ابن مخيم عين الحلوة الشهيد محمد شرعان.

وأم يحيى التي طال انتظارها لابنها البار، لم تحتمل بعد طول بكاء وانتظار وعناء فودعت الدنيا دون اللقاء بيحيى الشاهد الحيّ و الشهيد الشاهد.
رحلت ام يحيى وفي قلبها حسرة يحيى البعيد القريب، لم تتأكد قبل فراقها للحياة ان كان يحيى لازال حيا بالفعل ام انه ارتقى للعلا شهيدا مع باقي الرفاق. خذلها العمر وخذلتها صحتها، ولم تساعدها عيناها على تحمل البكاء، وانهمار الدموع كالأمطار في مواسم الشتاء، تعبت عيناها من كثر البكاء، ولم تعد تتمكن من استعمال العين بالشكل السليم حتى تستطيع رؤية يحيى العائد مع سمير القنطار وبقية الأسرى الأحرار، فدخلت المستشفى للقيام بعملية جراحية في العين، كانت عمليتها الأخيرة. توفيت عائشة سكاف وهي تنظر جنوبا نحو شمال فلسطين المحتلة، ومن شمال لبنان كانت تمعن النظر في جنوبه حيث شمال فلسطين، والجليل والأسرى المضربين عن الطعام، وحيث عائشة الزبن والدة الأسير عمار الزبن التي ناصرت أبطال معركة الأمعاء الخاوية، لتتوفى بدورها هذا اليوم وهي مضربة عن الطعام في خيمة نابلس.

ترى هل هي الصدفة شاءت ان ترحلا في وقت متقارب وفي زمن لا عرب فيه يحمون العروبة ولا مسلمون يحمون الإسلام من التلف والتزمت والتدهور والتقوقع، فالعروبة والإسلام في وطننا العربي الكبير شريكان في مسيرة تحرير فلسطين، ولا يمكن ان نفرق بينهما، مثلما لا يمكننا ان نفرق بين المسلم والمسيحي في فلسطين، أو بين العائشتين أم يحيى وأم عمار، لأنهما من شهيدات بلاد الشام وأرض كنعان وبلاد الحضارات والرسالات.

 استشهدتا وهما تنتظران عودة الفرسان من سجون الغزاة، فرحلت الأولى في شمال لبنان والثانية في وسط فلسطين. الأولى بعدما اقتربت من فقدان النظر والثانية بعد أسبوعين من الإضراب عن الطعام. لم تندبا حظهما لكنهما بكتا مصير هذه الأمة الممزقة، العاجزة عن تحرير أسراها وحماية مقدساتها.

متى ستنهض امة العرب لتعيد للعروبة الوحدة والبهاء والصفاء؟

 ومتى سيصبح عند العرب جيوشا عربية تدافع عن ارض العرب؟

ومتى ستحرر العروبة أسراها من سجون الروم والصهاينة والمغول الجدد؟

وحتى لا تموت العائشات دون التمكن من رؤية أسراهن وهم ينعمون بالحرية ومباهج الحياة...

يا أم يحيى الراحلة قبل الميعاد وموعد اللقاء بيحيى الحيّ، سوف نسلم لك عليه ونقول له ما أوصيت به قبل الرحيل ورددته في كافة الاعتصامات والتظاهرات من طرابلس وبيروت حتى آخر يوم في الحياة : " إذا خرج يحيى من الأسر بعد موتي سلموا لي عليه".. وسوف نسلم عليه وعلى الحرية، وسوف نضع وردة على قبرك، ونقول هنا لجأت أم يحيى بعدما طال الغياب يا يحيى.

و يا عائشة الزبن أم الأسير عمار، ويا كل أمهاتنا، أمهات أسرانا، لن تكون عائلات الأسرى يتيمة في مناصرة حقوقهم العادلة ومطالبهم الإنسانية، فكل أصحاب الضمير في العالم وقفوا معكم وها هم يقفون الآن مع أسرى الحرية في إضرابهم، يرفعون صوت الحقيقة فوق جبال الصمت الرهيبة، ويقولون للعائشتين: كل أبناء الضمير الحيّ معكن، في صحبة أمهات وآباء و أبناء الأرض الطيبة، أسرى الحرية القادمة لا محالة. فالصهاينة أموات في الحياة وأنتما حيتان في الموت، عائشتان رغم انف الغزاة، فتحية لكما وسلام ورحمة من رب العباد، وعودة وحرية ليحيى وعمار، وكل أسرى الحرية الأحرار، في زمن أصبح فيه الأسير في الوطن الفلسطيني المحتل حرا، والحر في وطن العرب الكبير سجينا ومكبلا بالاستعمار والعار.

نضال حمد ـ أوسلو

تاريخ النشر: 30-8-2004
إعادة نشر 4-3-2014

 

 

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 04-03-2014آخر تحديث