قمر على رام الله، ودم على بيرزيت
إلى معتز صاحب القامة العالية: الباسقة في زمن انحناء الهامات والقامات
ناجح شاهين

كيف يستطيع أي منا أن ينكر هذا الشلال من دماء، التضحية والفداء، أو يتنكر له؟ لكن بعضنا يفعل.
قرر معتز في آخر مليون لحظة من حياته التي مضت وانقضت كأنها مليون سنة، أن لا خير في حياة تخذل الوطن. لا بد أن الكلمات كلها لا تستطيع أن تقول شيئاً مهماً عما فعله معتز –يا لروعة الصدفة في تطابق المعنى والمبنى في هذه الحالة!- لكنها تستطيع دون شك أن تقول الكثير عن سراب رام الله.
كنت عائداً ليلة أمس من نفخ نفس النارجيلة الذي أمارسه كل ليلة لأخنق نفسي وأتمكن من النوم في مدينة لا تنام ولا تنيم. كانوا –وعزة الشهداء وبهائهم الذي يناظره شيء، لا أبالغ- يلعبون كرة القدم على دوار الساعة. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل. وقد توهمت للحظة أنني في مواجهة أطفال، خصوصاً أن بعض القامات بدت في الإنارة الباهتة قصيرة وطفولية. لكنني عندما فتحت شباك السيارة طالعتني ضحكات معتذرة، وخليط من الكلام بالإنجليزية والعربية، ومطالبة بفتح الدوار للسيارة لتمر. عند ذلك تبين لي أنني في مواجهة شابات وشبان من جنسيات مختلفة يمارسون لعبة الغميضة والحياة الطبيعية عن طريق نقل المرح واللهو إلى مركز البلد بالذات، مع ممارسة كرة القدم منتصف الليل عندما يكون المتعبون والأشقياء قد غطوا في نومهم منذ ساعات عدة.
لا بد أن أم معتز ووالده، وشقيقاته، وأشقائه، ومن يحبونه لم يكونوا قد ناموا بعد. فالصحيح أن ملابسات استشهاد معتز سوف تواصل تحديها للحياة الطبيعية لرام الله بما في ذلك اللقاءات التي تعقد بين الفينة والفينة من أجل تعزيز فرص التفاهم والمحبة والسلام بين شعبين أكبر مصابهما أنهما لا يتواصلان كما ينبغي. وبالمناسبة يعقد اليوم –أو ربما غداً- السياسي الدكتور الغني عن التعريف نبيل شعث محاضرة في جامعة تل أبيب. يحسده الكثير من أبناء شعبه الذين لا يستطيعون الوصول إلى الأقصى لأداء الصلاة. ولا بد أن المحاضرة ستتركز حول إزالة الالتباس المتصل برغبة الشعب الفلسطيني في الموافقة على ما تريده إسرائيل دون قيد أو شرط، تماماً مثلما قتل معتز وشحة العاري من كل سلاح، والمتشح بشجاعته وإيمانه وصبره في زمن يشح فيه الشجعان والمؤمنون بعدالة قضيتهم والصابرون على أذى الصديق وبطش العدو.
كان بإمكان قوات "جيش الدفاع" المدججة بالسلاح والبالغ تعدادها المئات، بحسب العديد من شهود العيان من أهل الشهيد ومن وسائل الإعلام المختلفة أن تلقي القبض على معتز حياً. وكان بإمكانها بالطبع أن تستخدم أمه وأخواته وإخوته ورجال الدفاع المدني الفلسطيني دروعاً بشرية، مثلما سبق لها في مواقف عديدة، كي تجبر معتز على افتراض أنه مسلح بقنبلة نووية أن يرتدع ولا يلقي بالقنبلة لأنها ستهلك أحب الناس إلى قلبه. لكن القوة وقائدها كان لهم منطق آخر: إما أن يخرج معتز مستسلماً أو نهدم البيت على رأسه. الحق أقول لكم إنني مؤمن بأن هذا الضابط كان سينزعج من خروج معتز رافعاً يديه، فقد كان ولا بد متعطشاً لشرب الدماء الفلسطينية. وكان العربي الجيد بالنسبة له –كما هو بالنسبة لقادة الحركة الصهيونية التاريخيين- هو العربي الميت، ولذلك فمن الأفضل أن يقتل الفلسطيني والعربي كلما كان ذلك ممكناً. لا أصدق –ولا أظن أحداً له عقل أو بعض عقل- يمكن أن يبتلع أكذوبة أن معتز كان يشكل خطراً على ماكينة الاحتلال العملاقة. بلى، لقد كان معتز وما يزال خطراً وشيكاً ومرعباً للاحتلال ومن يريد أن يصادق هذا الاحتلال ويسوق جرائمه ببث الأوهام حول سوء الفهم بين الشعبين وما أشبه من أكاذيب. إن هذه "الإسرائيل" لا تريد منا إلا شيئاً واحداً: ذلكم هو أن نختفي: أن نموت دون قيد أو شرط، أو نرحل دون قيد أو شرط، أو نستسلم دون قيد أو شرط. لكن معتز لسوء حظها وحظ لاعبي كرة القدم من الذين يحلمون بتطبيع حياتنا عن طريق نشر الشقراوات الراطنات بالإنجليزية والفرنسية والألمانية في شوارع رام التعسة، معتز ووالده المسكون بقطع اللحم المتناثرة من جسد الابن الممزق بفعل قذائف "جيش الدفاع" لا يريدان الاستلام. قال لي والد معتز بطريقة شبه عادية –ربما بسبب الحيرة والضياع التي صبغت حديثه كله وأنا أسأله عن الشهيد وتفاصيل حياته-: معتز قال حتى اللحظة الأخيرة: "لن أسلم نفسي للأنذال مهما حصل."
أتذكر في هذا السياق قسوة محمود درويش الفائقة:
قمر على بعلبك
ودم على بيروت
يا حلو من صبك
فرساً من الياقوت
قل لي ومن كبك
نهرين في تابوت

إن الدم كل الدم كان يروي بيرزيت نازفاً في منزل فقير لأسرة فقيرة مكافحة قام جنود الديمقراطية الوحيدة في المنطقة بهدم جدرانه مرة بالجرافة ومرة بالقذائف، أما بيروت، عفواً رام الله، فكانت تلعب كرة القدم على المنارة، ربما بعد أفرغت في جوفها شيئاً من النبيذ الفرنسي وشرائح السلمون المدخن هنا أو هناك في حانات وملاهي ليلية تحمل أسماء أجنبية ويخدم فيها طالبات جامعيات معدمات.
هل مرت أطياف هذا العبث في فكر الشهيد وهو يعاني انتظار النهاية التي نجح في النهاية في تحويلها إلى تراجيديا بطولية على طريقة هاملت وتشي جيفارا وصدام حسين؟ بماذا فكر معتز وهو يقرر أنه لن يسلم جسده وأسرار عقله وقلبه الصغير لماكينة الفاشية الصهيونية لتعبث به وتجبره على البوح بما لا يمكن لقلبه العاشق الصغير أن يتحمل البوح به؟ ربما فكر معتز في أن دمائه التي ستسيل بكثافة سوف توقظ النائمين عن هدر فلسطين، وسوف تردع الساهرين، وسوف توقف عبث العابثين على دوار الساعة والمنارة، وتعيد البوصلة إلى اتجاهاتها الصحيحة.
"يمكن صرخ من الألم، من لسعة النار في الحشا، يمكن ضحك أو ابتسم أو انتشا، لكن أكيد أكيد ولا جدال، معتز مات موتة رجال."

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 04-03-2014آخر تحديث