هل تخسر روسيا أوكرانيا؟ - د. فايز رشيد

ما كاد حبر الاتفاق بين الرئيس يانكوفيتش والمعارضة الأوكرانية يجف (والذي كان قد وقع في 21 فبراير من هذا العام ) حتى سارع البرلمان الأوكراني إلى عزل الرئيس واصدار مذكرة اعتقال بحقه بتهمة :القتل الجماعي , وتعيين رئيس البرلمان ألكسندر تورتشينوف رئيسا بالوكالة حتى تنظيم انتخابات رئاسية جديدة . يانكوفيتش بدوره تخلى عن مقر إقامته في كييف للمتحجين.الرئيس المعزول وصف الأحداث الدراماتيكية بالانقلاب. لقد وافق البرلمان الأوكراني أيضاً على الإفراج عن رئيسة الوزراء السابقة يوليا تيميشينكو التي كانت معتقلة.البرلمان الأوكراني الذي تخلى بشكل حاسم عن يانكوفيتش بعد انفضاض الموالين له عنه .

الإطاحة بالرئيس الأوكراني تمثل انتكاسة واضحة لروسيا وللرئيس بوتين شخصياً،والذي حاول بكل جهده امتلاك أفضل العلاقات مع أوكرانيا وبيلوروسيا من أجل تشكيل تجمع من الجمهوريات الحليفة وريثة الاتحاد السوفياتي في اتحاد أوروآسيوي مع الجمهوريات الآسيوية التي كانت تنضوي تحت لواء الاتحاد السوفياتي.بوتين أظهر استعداد روسيا لمد أوكرانيا بــ15 مليار دولار من أجل حل مشاكلها في مواجهة الضغوطات الغربية(الأوروأمريكية) التي سعت وما تزال تسعى لسلخ أوكرانيا عن روسيا.المعارضة لم تحترم الاتفاقية التي وقعتها مع يانكوفيتش بحضور وفد من الاتحاد الأوروبي(ممثلي ألمانيا،فرنسا،وبولندا)الأمر الذي يدل:أنه ورغم توقيع الاتفاق لم تنقطع الضغوطات الأوروبية على المعارضة من أجل الاستمرار في التصعيد.هذه الدول الاوروبية رفضت تقديم المعونات المالية إلى أوكرانيا عندما طلبت الأخيرة منها ذلك.وحدها روسيا في كل الحالات هي التي أمدّت حليفتها بالمساعدات المالية والاستمرار في ضخ الغاز إليها بغض النظر عن المبالغ الهائلة من الديون على أوكرانيا لروسيا،وانعدام الآفاق لتسديد أي منها،فالاقتصاد الأوكراني يعيش سلسلة من الأزمات الخانقة المتتالية.موسكو تدرك قيمة وأهمية أوكرانيا بالنسبة إليها وخاصة بعد خسارة بولندا التي أصبحت جزءاً في منظومة الدرع الصاروخي التي حاولت واشنطن والدول الأوروبية من خلال حلف الناتو إحاطة الفيدرالية الروسية(وريثة الاتحاد السوفياتي)بها.

ما جرى في أوكرانيا يذّكر بما جرى قبل ماينوف عن العقد زمني ففي عام 2004 ونتيجة لما سُمّي بــ(الثورة البرتقالية)نجحت المعارضة في الإتيان برئيس حليف للغرب هو فيكتور يوتيشنكو, لكن التناقضات بينه وبين حليفته رئيسة الوزراء تغلبت على التحالف بينهما،حينذاك كان يانكوفيتش يجلس على معقد المعارضة بعد أن كان رئيساًَ للوزراء.الأخير اتهم الرئيس بتزوير الانتخابات.ظلت الأحوال تتماوج في أوكرانيا حتى انتخابات عام 2010 حين نجح فريق موسكو وهو الأمر الذي أدى بتيموشينكو إلى السجن بتهمة سوء استغلال السلطة حينما كانت رئيسة الوزراء وتسلم حليف روسيا للرئاسة .منذ تسلم يانكوفيتش منصبه كرئيس لجمهورية أوكرانيا ظلّت المعارضة تنشط في كثير من الأحيان رغم خفوت صوتها لسنوات.منذ بضعة شهور خرجت المعارضة إلى الشارع احتجاجاً على عدم توقيع الرئيس يانكوفيتش على اتفاقية الشراكة مع دول الاتحاد الأوروبي وظلّت تعمل بطريقة تصاعدية حتى الخطوات الأخيرة.بالطبع ليس ما حدث في عام 2004 قابل للتكرار في عام 2014 فالمعارضة استفادت من أحداث 2004،وليس من السهولة بمكان أن تفرّط فيما حققته من إنجازات (وهي بالفعل استطاعت تحقيق إنجازات في الاتفاق الذي وقعته مع يانكوفيتش قبل بضعة أيام) الاتفاق الذي أصبح بحكم الميت نص على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة،وإطلاق صراح تميشينكو حليفة الغرب التي تم اطلاق سراحها . كمنص الأتفاق على العودة إلى دستور 2004،بما يعنيه ذلك من تقليص لصلاحيات الرئيس لصالح البرلمان.

تقديرات العديد من المراقبين تشي بأن الأوضاع في أوكرانيا لن تستقر عند الوضع الحالي،فأنصار موسكو يشكلون نسبة لا بأس بها في الواقع الأكرواني(فهم من أصل روسي)واستطاعوا بالفعل كسب الانتخابات(التي جرت تحت رقابة دولية)في عام 2010،وامتلكوا الأغلبية البرلمانية.من ناحية أخرى لا تستطيع أوكرانيا الاستمرار بمعزل عن المساعدات الروسية، فغالبية الاتفاقيات الاقتصادية الخارجية لكييف موقعة مع روسيا.لا نعتقد أن الدول الأوروبية حالياً قادرة على الإيفاء باحتياجات أوكرانيا الاقتصادية التي تقدرها السلطة الانتقالية الحالية الحاكمة( كما اعلنت ) بمقدار 35 مليار دولار .

بالنسبة لمصير الرئيس يانكوفيتش نقلت وكالة انترفاكس عن رئيس البرلمان الأوكراني قوله:"أن الرئيس يانكوفيتش حاول الهرب على طائرة إلى روسيا لكنه منع من ذلك وهو الآن في منطقة دونيتسك".وهذا ما أكده تورشينوف الخصم اللدود ليانكوفيتس قائلاً:"حاول ركوب طائرة إلى روسيا لكن مسؤولي الحدود منعوه".من جهته قال يانكوفيتش في مقابلة أجرتها معه قناة تلفزيونية في مدينة خاركوف"أنه لن يستقيل ولن يغادر البلاد".ووصف قرارات البرلمان بأنها"غير شرعية".وأضاف الرئيس قائلاً:"إن الأحداث التي شهدتها بلادنا والعالم أجمع هي نموذج للانقلاب"مقارناً ذلك بصعود النازيين للسلطة في ألمانيا في ثلاثينيات القرن الزمني الماضي.وقال الرئيس لمحطة تلفزيون يو بي آر إن إنه تعرض لاطلاق النار وتابع"تعرضت سيارتي لاطلاق النار لست خائفا ًوأشعر بالحزن على بلادي".جدير ذكره أيضاً أن جهاز الشرطة الأوكرانية أعلن وقوفه إلى جانب المعارضة في حين أن الجيش أعلن انه لن يتدخل في الشأن السياسي في أوكرانيا.

نعم بالنسبة لأوكرانيا الاحتمالات مفتوحة على أكثر من صعيد : هناك التهديد بالتقسيم بين أوكرانيا الشرقية والأخرى الغربية . روسيا التي اعلنت رفضها للخطوات الأوكرانية الأخيرة من خلال تصريحات واضحة ومحددة لرئيس الوزراء ميدفيديف نادت بالعودة الى تطبيق الأتفاق الموقع بين حليفها يانكوفيتش وبين المعارضة , ربما تلجأ الى التدخل العسكري ( رغم استبعاد ذلك في الوقت القريب) في أوكرانيا . احتمال الحرب الأهلية احتمال وارد هو الآخر . الأمر مرهون بتطورات الصراع, غير أن من الثابت القول:أن روسيا(والرئيس بوتين شخصياً)لن تقف مكتوفة الأيدي في الصراع الدائر في أوكرانيا.
 

 

 

 

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 01-03-2014آخر تحديث