غزة إذ تكسر الصمت - عبداللطيف مهنا
 

لم يبق أمامنا إلا الأيام التي تفصلنا عنى نهاية شهرنا هذا لكي نشهد نهاية مهلة التسعة اشهر التي رصدتها الرعاية الأميركية لحصاد المفاوضات الجارية بين الصهاينة والأوسلويين الفلسطينيين. و كل يوم تقترب فيه هذه النهاية الموعودة يشهد تصعيداً شبه يومي لتصريحات نتنياهو المشددة على ثوابته المعروفة وتصوره لما يتوجب أن تفضي إليه هذه المفاوضات، أو بعبارة أدق لوظيفتها أو الغرض منها صهيونياً. كما وأن هذا الأمر لا يخلو من تلازم ما مع متوالي الإيحاءات شبه المستمرة من قبل كيري باقتراب أيام تقديمه لورقته المنتظرة رسمياً أو اعلانها. بعد عودته من زيارته الأخيرة للبيت الأبيض وحضورة للمؤتمر السنوي ل"ايباك" وخطابه وما جاء فيه، بدا وكأنما كل هم نتنياهو هو وضع حد لما رافق سيول التسريبات المتعلقة بالورقة الكيريوية من لغط وجدل أو توظيف لأوهام ساهمت فيه الأطراف الثلاثة المعنية بالمفاوضات وكل من موقعه ووفق حساباته، ذلك عندما طمأن من هم الى يمينه ويساره من صهاينة الكيان بأن كل ما في أمر هذه الورقة أنها ليست سوى "وثيقة اميركية تحتوي اقتراحات للمفاوضات يمكن للطرفين التعليق عليها، وهى ليست وثيقة اسرائيلية، وبالتأكيد يمكن أن تظهر فيها أمور لاتقبلها اسرائيل وستتحفظ عليها، ولكن هذه الورقة، إذا كانت ستقدم فعلاً، هى برنامج نقاش لإعادة فتح المفاوضات، المتوقع أن تستمرعاماً إذا وافق الفلسطينيون في نهاية المطاف على دخول المفاوضات". كان هذا بعد عودته، والطريف أنه قبيل وصوله إلى هناك قد سبقته تصريحات لأوباما، في مقابلة صحفية قيل أنها قد وقتت بعمد، تخللتها تحذيراته من كارثة ديموغرافية وعزلة دولية سيواجهما الكيان الصهيوني إذا استمر في تشدده التفاوضي، وحتى وصفه للتوسع التهويدي في مستعمرات الضفة ب"البناء العدواني". هذه التصريحات دخلت اعلامياً لأيام معدودة بازار المماحكات السياسية الداخلية في الكيان الصهيوني لكنها سرعان ما طواها النسيان، أي أنها لم تؤخذ فعلاً على محمل الجد، باعتبار أن الصهاينة، ونتنياهو تحديداً قد سمعوا بمثلها من صاحبها سابقا وحتى من اسلافه، واسهم في هذه اللامبالاة تبدُّل لهجة اوباما السريعة بعيد وصول زائره، وتوضيحات وتوكيدات كيري في مؤتمر "ايباك". ختمها نتنياهو بعد عودته غانماً لاغارماً من واشنطن، وليلحق به دعماً فورياً هو 429 مليون دولار اسهاما اميركياً في "القبة الحديدية"، هذه التي اخترقتها فيما بعد عشرات الصواريخ المقاومة المنطلقة من غزة ولم تنجح في اعتراض إلا ثلاثاً منها... ختمها بتطمينه صهاينته، "إنني اتمسَّك بالمواقف التي أؤمن بها بحزم واصرار، لن يفيد أي ضغط" في ثنيي عنها...والآن ما هو آخر حديث الثوابت النتنياهوية التي تعيدها وتؤكِّد عليها تصريحاته الأخيرة؟!

لايكتفي نتنياهو بما بات من الثابت أن ورقة كيري قد منحته له سلفاً، وعلى رأسه ما يعرف بيهودية الكيان الغاصب، أي انتزاع تسليم الأوسلويين له بحقه المزعوم في اغتصاب فلسطين وقبولهم روايته لهذا الإغتصاب، وتخليهم عن الحق التاريخي للعرب الفلسطينيين في كامل فلسطينهم التاريخية المغتصبة، وصريح التخلي، والذي تم مواربة حتى اللحظة، عن حق العودة للاجئين، أو جوهر القضية الفلسطينية، وحتى نص الورقة على تعويض اليهود العرب الذين التحقوا بالكيان الإستعماري الغاصب، بل هو يريد من الأوسلويين أن يبصموا له بالعشرة على نهاية الصراع واعطائه كافة الضمانات على ذلك، وتخليهم عن كل مايسمونه ب"قضايا الوضع النهائي"، وفي المقدمة القدس، وحدود "اوسلوستان"، ومستعمراته في الضفة، وبقاء جيش الإحتلال إلى مارحم ربي في الأغوار، ومواظبتهم على القيام بدورهم المرسوم في حفظ أمن الكيان الإستعماري المحتل وقمع المقاومة وملاحقة المناضلين، وكل ما عكسته توكيداته وتعهُّداته التي اطلقها في اجتماع " الليكود" الآخير وقبله، ومنها: "لن اطرح أي اتفاق على الإستفتاء من دون الغاء مايسمى بحق العودة، واعتراف فلسطيني بيهودية الدولة". أما بخصوص القدس فإن "هذه المدينة ليس فقط انها لن تقسَّم بل إنها ستبقى موحَّدة تحت السيادة الإسرائيلية". أما فيما يتعلق بالتهويد والمستعمرات فأول ماكان منه بعد عودته من رحلته الأميركية وكرد منه على ما دارحول تحذيرات اوباما المشار اليها قوله، "نحن لسنا ملزمين بالقبول بالموقف الأميركي التقليدي بشأن المستوطنات"... خلاصة الأمر إن كل مايريده الصهاينة من المفاوضات، أو من ورقة كيري، والذي لايبدو أنهم لن ينالونه، هوأستمرار المفاوضات حتى تصفية القضية، ومشكلة كيري هو كيفية إخراج عملية توقيع طرفيها عليها، او تسهيل عملية ابتلاع الأوسلويين وعربان التسوية لها وتبليعها للأمة في هذه المرحلة المصيرية الأخطر والأسوأ التي تمر بها.

...ولايكتفي نتنياهو بإعلان ثوابته والتعهُّد بتنفيذهها بل هو يقوم يومياً بتطبيقها على ارض الواقع، قبل المفاوضات وبالتوازي معها، وبكيري ومن دونه، وبغض النظر عن نجاح مهمته أو فشلها...يطبِّقها تهويداً زاحفاً على مدار الساعة، وقتلاً متواصلاً واعتقالات ومطاردات وغارات دموية مستمرة ولاتتوقف، بالتوازي مع هدم للبيوت وتشريد لأهلها، وقائم الإنتهاكات شبه اليومية للأقصى تمهيداً لهدمه وبناء هيكله الثالث المزعوم مكانه...من هنا تأتي أهمية عملية "كسر الصمت"، التي أمطرت فيها غزة المستعمرات الصهيونية بوابل من صواريخ مقاومتها...غزة الصامدة الرافضة للخنوع والموت في مواجه الحصار العربي الصهيوني، وعملية مقاومي "سرايا القدس"، التي إن كان لها مابعدها، فهو وحده الكفيل بتأبين ورقة كيري ودفن نهج "المفاوضات حياة"، وكسر ثوابت نتنياهو...وربما لهذا ثمة جنوح صهيوني راهن إلى التهدأة !
 

 

 

 

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 15-03-2014آخر تحديث