«كسر الصمت» على العدوان... وعلى اطمئنان «إسرائيل» - د. عصام نعمان
 

«إسرائيل» مرتاحة إلى وضعها الاستراتيجي. حال العرب بعد «الربيع العربي» «معجزة « تكاد لا تصدّقها «إسرائيل» لولا التهديد الإيراني. هذا ما انتهى إليه رئيس الدائرة الأمنية السياسية في وزارة الحرب الإسرائيلية الجنرال عاموس غلعاد في مداخلةٍ له خلال ندوة بحثية في مركز هرتسيليا للدراسات.

كلام غلعاد جاء متزامناً مع الردّ الصاعق لحركة الجهاد الإسلامي على ما أسمته «انتهاكات إسرائيل المتمادية لاتفاق التهدئة» الذي تمّ التوصل إليه برعاية مصرية في عام 2012 عقب عملية «عمود السحاب» العدوانية على قطاع غزة.

لم يتسنَ لغلعاد، إذاً، أن يحيط بمستوى الردّ المفاجأة الذي كالته حركة «الجهاد» لمستعمرات «إسرائيل» الجنوبية. وزير الخارجية افيغدور ليبرمان كان لديه الوقت الكافي ليدرك قوّته وأبعاده. لذلك سارع إلى المطالبة بـ»إعادة احتلال قطاع غزة لوقف إطلاق الصواريخ على إسرائيل».

«الجهاد» أطلقت على ردّها الصاعق اسم عملية «كسر الصمت». هي كسرت صمت الجميع، صمتهم منذ أشهر، على سلسلة اعتداءات «إسرائيلية» طاولت كوادرها في الضفة الغربية وقطاع غزة وبلغت ذروتها باغتيال ثلاثة من مجاهدي جناحها العسكري «سرايا القدس» شرق خان يونس. الردّ استهدف العدو الصهيوني بعشرات الصواريخ والقذائف وتناول بلداته وكيبوزاته في سديروت، نامل عوز، نير اسحاق، صوفا، كيبوتز سعد، كفار عزا، مغلسيم، زكيم، ونتفوت بأكثر من 130 صاروخاً من طراز 107 محليّ الصنع وقذائف الهاون.

قوة الردّ الجهادي وحجمه أربكا العدو وحملا مجلس الوزراء الأمني المصغّر على عقد اجتماع طارئ لتقدير حجم الهجمات المضادة المُراد إطلاقها. في المجلس الأمني المصغر كما في أوساط القيادة السياسية والعسكرية «الإسرائيلية» بَرَز رأيان حول ما يجب عمله فلسطينياً وعربياً وإقليمياً.

أصحاب الرأي الأول يعتقدون أنّ التغييرات التي عصفت بالعالم العربي وما أحرزته من نتائج يعتبرها قادة «إسرائيل» «معجزة» إستراتيجية أدّت إلى تغيير مهمّ وإيجابيّ في خريطة التهديدات ضدّ الدولة العبرية. ذلك أنّ غالبية الدول التي تشكّل تهديداً جدياً لـِ»إسرائيل» عانت وتعاني ظروفاً تسبّبت في إضعافها، ما أدّى إلى تعديل في موقفها من الكيان الصهيوني. التغيير الاستراتيجي الأبرز يتمحور في ثلاث ساحات رئيسة: مصر، سورية وتركيا. في هذا الإطار، يعتقد غلعاد أنّ مصر وتركيا تحرّرتا بشكل ملموس من الضغط الإسلامي الخانق. لاحَظَ أنّ المصريّين نجحوا في إغلاق 90 إلى 95 في المئة من الأنفاق المؤدية إلى قطاع غزة، وهم حالياً يخوضون حرباً قاسية ضدّ تنظيم «القاعدة» وتفرّعاته في سيناء. أما تركيا فإنّ نظامها تلقّى في الأشهر الأخيرة ضربات مؤلمة الأمر الذي أضعفه وأعاده إلى حجمه الطبيعي. باختصار، أصحاب الرأي الأول يعتقدون أنّ حال العرب المزرية مريحة لـِ»إسرائيل» وليس ثمة حاجة إلى استغلال ضعفهم لكيل مزيد من الضربات لهم، إذ قد يدفعهم ذلك إلى تدوير زوايا خلافاتهم واختلافاتهم والعودة إلى التكتل في مواجهة أعدائهم.

أصحاب الرأي الثاني لا يكتمون ارتياحهم إلى حال التفكك والانقسام والضعف التي يعانيها العرب عموماً، لكنهم يعتقدون أنه يقتضي استغلالها من أجل تحقيق مكسبيْن إضافيين: تصفية قضية فلسطين بتسوية نهائية تنهي مجموعات الرفض والمقاومة، وإيجاد أوضاع جيوسياسية إقليمية مناسبة لتفعيل المواجهة الشاملة ضدّ إيران الممعنة في نهجٍ سيفضي، عاجلاً أو آجلاً، إلى امتلاكها أسلحة نووية. ويعتقد أصحاب هذا الرأي أنّ امتلاك إيران قنبلة نووية سيحمل مصر التي تمتلك قدرات علمية وازنة في هذا المجال على مباشرة جهود جدّية لامتلاك أسلحة نووية أيضاً. أما السعودية فإنّ أصحاب هذا الرأي يعتقدون أنها ستركّز على شراء قنبلة نووية من باكستان. باختصار، يدعو أصحاب الرأي الثاني إلى مغادرة موقع المهادنة من أجل استغلال وضع العرب المزري لمعاودة الهجوم على محاور عدة، بغية إيجاد وضع جيوسياسي إقليمي جديد يساعد «إسرائيل» في تعزيز مواجهتها الشاملة لإيران.

يتحصّل من وقائع المنافسة والحوار الناشطين في أوساط أصحاب الرأي الأول والرأي الثاني، أنّ القيادة السياسية والعسكرية تميل إلى اعتماد الرأي الأول حيال ما يجب عمله في عالم العرب، أيّ تركهم يتصارعون وتشجيعهم على ذلك لكونه يصبّ في مصلحة «إسرائيل». أما بالنسبة لإيران فإنّ القيادة إياها تميل إلى اعتماد الرأي الثاني، أيّ تصعيد المواجهة ضدّ إيران، عربياً وإقليمياً ودولياً، للحؤول دون امتلاكها سلاحاً نووياً من جهة، ومن جهة أخرى للحؤول دون توسّعها إقليمياً بالعون المالي والعسكري الذي تقدّمه للدول والتنظيمات الجادة في مواجهة «إسرائيل».

لا يكفي، بطبيعة الحال، أن تقرّر «إسرائيل» اعتماد أحد الرأيين المنوّه بهما حتى تنجح في ما تصبو إليه، ذلك أنّ القوى المحلية والإقليمية والدولية المعنية لديها، من الأهداف والقدرات والمناهج والوسائل ما يمكّنها من مجابهة «إسرائيل» وتعطيل مخططاتها. ولماذا نذهب بعيداً، ها هي المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان، والمقاومة الفلسطينية في الأرض المحتلة عموماً وفي قطاع غزة، خصوصاً تقدّم الدليل الساطع على توافر إرادة المواجهة والقدرات اللازمة لإنجاحها. فحزب الله تمكّن في عام 2006 من إحباط حرب «إسرائيل» الثانية على لبنان وعلى مقاومة شعبه الصامدة. وها هي حركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة تنجح مرتين في مجابهة العدوان الصهيوني. المرة الأولى، في عدوان عملية «عمود السحاب» في عام 2012، إذ تمكّنت بتعاونها مع حركة «حماس» وسائر تنظيمات المقاومة الشعبية من صدّ العدوان الصهيوني. المرة الثانية، في صدّ الاعتداءات الأخيرة عليها ومفاجأة العدو بعشرات الصواريخ التي شلّت الحياة في مستعمراته الجنوبية.

في هذا السياق، يجب ألاّ نغفل تطوّرين بالغي الأهمية. الأول، نجاح حركة الجهاد الإسلامي خلال مواجهة عملية «عمود السحاب» في إطلاق صواريخ متوسطة المدى طاولت كلاًّ من تل أبيب والقدس المحتلتيْن، وفي عملية «كسر الصمت» من إطلاق صواريخ بكثافة ملحوظة قيل في بعض التقارير إنها فاقت الـ170 صاروخاً. والأهمّ من ذلك كله أنّ منظومة «القبة الحديدية» لم تنجح إلاّ في إصابة ثلاثة منها فقط، وذلك باعتراف مصدر عسكري «إسرائيلي» رسمي.

باختصار، «معجزة» الوضع العربي المزري التي تشيع الارتياح في أوساط «إسرائيل» القيادية ليست نهاية العالم، وأنّ في وسع العرب، ولا سيما الذين تعتمل في قلوبهم وصفوفهم إرادة القتال، مواجهة دولة العدوان وتعطيل مخططاتها بقدْر ما يطيقون ويستطيعون.

البناء*
 

 

 

 

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 17-03-2014آخر تحديث