الرفيقة الأم ايفونا الطليانية - من خزان الذاكرة - رحلة علاجي في ايطاليا 1983 .
qualcosa di lealtà per l'italia = in segno di lealtà per l'Itlia.


في مثل هذه الايام من سنة 1983 حملتني عربة متحركة من مخيم شاتيلا في بيروت الجريحة مثلي والتي كنت جريحا مثلها، الى مطار العاصمة الدولي، الذي كان يسمى يومها مطار بيروت الدولي ولم يكن أحد يومها يسمع بعد بالمرحوم رفيق الحريري كسياسي في لبنان، باستثناء شركته سولفير التي ازاجت جرافاتها كافة المتاريس من بيروت الغربية بعد رحيل الثورة الفلسطينية عنها عقب حصار بيروت الشهير صيف سنة 1982. الذي تلاه اجتياح شارون للشق الغربي من العاصمة وتنفيذ مذبحة مخيمي صبرا وشاتيلا بالشراكة مع عملاءه من الانعزاليين اللبنانيين رفاق المقبور بشير الجميل. بعد ذلك برز دورالحريري وفيما بعد اصبح واحدا من أقوى رؤساء وزراء لبنان، وبعد اغتياله سمي المطار المذكور باسمه.

ظهر ذلك اليوم البيروتي الربيعي المشمس والدافئ أقلعت بنا الطائرة من بيروت متوجهة الى مدينة بولونيا في ايطاليا، ولم اكن وحدي حيث كانت الطائرة تقل نحو مائة جريح ومريض لبناني وفلسطينيان اثنان، هما انا والطفل فادي، وكلانا كان فقد ساقه بقنابل الاحتلال الصهيوني في بيروت الغربية سنة 1982 .وبالتحديد في مخيم شاتيلا.

فادي لم يكن يبلغ من العمر أكثر من 10 سنوات، أوصتني به والدته التي كانت قلقة وخائفة عليه لانه وحده يسافر بعيدا كما سافرت الثورة قبل شهور قليلة. لم تكن تعرفني ولا انا كنت اعرفها ، لكن الدم الواحد دمنا الفلسطيني النازف شجعها على طلبها ذلك. فوجود أمي بقربي وخلال وداعي ساعدها على الطلب مني العناية بفادي الصغير. كنت ابلغ من العمر 19 ربيعا، وكنت ارى في كل أم فلسطينية ولبنانية أم لي ولرفاقي ابناء الثورة الراحلة. في ايطاليا احتضنت الطفل - الشبل - فادي وعاملته كأخ صغير حتى أنهى علاجه وعاد الى مخيم شاتيلا بساقين واحدة طبيعية والثانية بلاستيكية، مثلي تماما. ومنذ ذلك اليوم اي قبل 31 عاما لم أر فادي ولم التق به ولا اعرف اي شيء عنه.

في مدينة بولونيا بايطاليا تعرفنا على عالم جديد، آخر، مختلف، جميل وبديع، عالم كان يحترمنا ويقدرنا ويحبنا ويكن لنا الود والاعجاب، عالم متضامن معنا ومع قضيتنا الى اقصى الحدود. هناك تعرفنا على الرفيقة الشيوعية الطليانية الأم ايفونا، التي كانت مسؤولة عنا وعن رعايتنا هي والسيد برونو الاشتراكي الطلياني الذي بقي معنا حتى عدنا معافيين الى لبنان وسورية وشرق المتوسط المشتعل.

تعرفنا ايضا على الطبيبين الفلسطينيين الشقيقين حنا وبشير سراس، الفلسطينيان الجميلان، القادمان من بيت جالا في فلسطين المحتلة، ومن تشيلي حيث اكبر تجمع فلسطيني في الشتات الاجنبي. وعلى زوجة بشير، سامية الرشيقة والجميلة والرائعة بلكنتها الفلسطينية البلدية ولهجتها الشعبية التي تغيظ كارهي شعبنا الفلسطيني اينما كانوا وبالذات اعوان الفاشية اللبنانية الانعزالية. وتعرفنا ايضا على عائلتهم كلها صغيرا وكبيرا لانهم كانوا عائلتنا الاولى في بولونيا وايطاليا، وسوف ابقى اذكر بكل حب واحترام المرحوم والدهما والفاضلة والدتهما وشقيقتهما الرائعة لوسي. التي مازالت مع الوالدة في بولونيا بينما عاد بشير وزوجته الى تشيلي. فيما لا أعرف اي شيء واية خبار عن الدكتور حنا.

في ايطاليا وحيث كانت ايفونا تشرف علينا في البدء تم تخصيص فيلا كبيرة لنا، جهزت بكل ما يلزم من أسرة و اغطية ومعدات وتلفاز وما تتطلبه عيادة طبية طارئة استقبلت اكثر من مائة جريح. وعند وصولنا الى المطار كانت عشرات سيارات الاسعاف في انتظارنا فحملت بعضنا الى المشافي وانا كنت واحدا من الذين توجوها فورا الى مستشفى روتسولي الشهير في مدينة بولونيا. بقيت هناك عدة ايام وبعد اجراء كافة الفحوص اللازمة غادرت المستشفى لالتحق برفاقي ورفيقاتي في العيادة الطارئة.

كانت الأم ايفونا تحرص على سلامتنا وتقوم على مساعدتنا ساعات طويلة في اليوم وبعد مرور اسابيع على وجودنا في ايطاليا الذي استمر لاشهر عديدة وطويلة تعرفنا على كافة افراد عائلتها. واصبحنا اصدقاء ومثل عائلة واحدة. وفي احد الأيام وكانت تلك المرة الأولى التي تدعوني فيها ايفونا لتناول طعام العشاء في مطعم فخم، وكان معها رفيق عمرها الذي للاسف تخونني الآن ذاكرتي ولا تساعدني على تذكر اسمه.
تلك الليلة حاولا ان يشرحا لي عن وجبة العشاء التي سنتناولها ولان لغتهما الانجليزية كانت اضعف من لغتي الانجليزية الضعيفة ايضا، لكن بعد طول شرح وعدم فهم كافي بما تبادلنا من كلام وافقت على وجبة عشاء اسمها ( رانا ). بصراحة بعد الشرح ظننت انها نوع من الطيور او العصافير لكن تبين فيما بعد انها افخاذ الضفاضع. كانت وجبة شهية. ذكرتني بأول زيارة لي للشام سنة 1976 حيث كانت تباع ايضا في اسواق دمشق اول عاصمة في التاريخ.

بعد تلك السهرة الأولى استمرت المشاوير والرحلات مع الأم ايفونا وفي يوم آخر اصطحبتني انا وزميلي اللبناني محمد فاعور بسيارتها الفيات الصغيرة وذهبنا لزيارة معلم تاريخي طلياني يقع على قمة جبل صغير قرب مدينة بولونيا واسمه دير سان لوكا. وهذه الصورة معها ومع محمد من تلك الرحلة.

في الخامس والعشرون من ايار مايو سنة 1983 كان يوم عيد ميلادي حيث بلغت من العمر 20 عاما.تفاجأت يومها بالمسؤولين الطليان وعلى رأسم ايفونا وبرونو، واللبنانيين والفلسطينيين حين اقاموا لي حفل عيد ميلادي في العيادة الطبية الطارئة. كانت إلتفاتة جميلة منهم ومنهن، لن انساها ما دمت حياً خاصة انها ذكرتني بآخر عيد ميلاد لي في لبنان وفي مخيم عين الحلوة، في ايار مايو 1982، اسبوعان قبل بدء الغزو الصهيوني للبنان. فقد فاجأني والدي ووالدتي حين طلبا مني ان اذهب معهما الى سوق المخيم ولم أكن يومها اذكر انه يوم ميلادي. قاما بشراء بلوزة وقميص واشياء اخرى اهدياني اياها. وشاءت الصدفة انني يوم اصابتي في 17-9-1982 على مدخل مخيم شاتيلا انني كنت ارتدي تلك البلوزة.

يوم غادرت ايطاليا عائدا الى مخيم اليرموك في سورية وليس الى مخيم عين الحلوة في لبنان بسبب الاحتلال الصهيوني. ودعتني ايفونا وداعا حارا وبكت بكاءا شديدا، كذلك فعل رفيق عمرها، وايضا برونو وبقية الاحبة والاصدقاء والصديقات. بقيت على تواصل مع ايفونا عبر المراسلة البريدية ولكن بسبب احوالنا الفلسطيية التي اشتهرت بالسفر والتنقل والشتات الدائم انقطعت الاتصالات. ولم اعد أعرف اي شيء عن ايفونا وبرونو. فيما عثرت مؤخرا على الدكتور بشير وزوجته سامية في سناتياغو بتشيلي وتواصلنا هاتفيا.

قبل ثلاث سنوات زرت برفقة الرفيق الطلياني اليساندرو مدينة بولونيا في ايطاليا. كانت اول زيارة لي للمدينة بعد فراق استمر 29 عاما متواصلة. أول شيء خطر على بالي هو البحث عن ايفونا ولوسي وحنا وبرونو والطلبة الفلسطينيين الذين كانوا يدرسون هناك والذين لم يفارقوننا طوال اقامتنا في بولونيا سنة 1983 .وكانوا كلهم سندا لنا وعونا وخير اخوة ورفاق. استطعت العثور على لوسي وتكلمت معها هاتفيا لكننا لم نسطع اللقاء بسبب مرض والدتها واضطرارها للبقاء بجوارها واضطراري للعودة الى مدينة فياريجيو حيث كنت ملتزما بالتحدث في ندوة سياسية وثقافية عن فلسطين. وعثرت ايضا بطريق الصدفة على بعض الاخوة الطلبة الفلسطينيين الذين لازالوا هناك منذ 1983. التقيت بهم في مطعم فلسطيني قرب جامعة بولونيا العريقة والشهيرة. التي تتزين جدرانها الخارجية بلوحات ورسومات وشعارات مؤيدة للقضية الفلسطينية. سوف يكون لي عودة للحديث عن الطلبة الفلسطينيين في بولونيا وحكايتنا الجميلة معهم.

(نضال حمد - أوسلو)

 

يتبع

 

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 17-03-2014آخر تحديث