بعد حصار بيروت و مجزرة صبرا وشاتيلا 1982 – مرحلة ايطاليا والعلاج هناك والعودة إلى الجحيم.

 - من خزان الذاكرة -.

 أنشرها لمن يحب القراءة ...

كانت أول دولة أوروبية تطأها قدماي ايطاليا، نعم ايطاليا الجميلة حيث لغة العصافير كما اتفقنا على تسميتها أنا ورفاقي الجرحى الذين قادتنا الحرب والأقدار لنكون أول دفعة تغادر بعد حصار بيروت ومن ثم احتلالها عقب انسحاب القوات الفلسطينية منها، ومن ثم مصرع بشير الجميل بعملية اغتيال منظمة لازال بعض الغبار عالقا عليها حتى يومنا هذا. سافرنا إلى ايطاليا بالطائرة في بداية شهر آذار مارس 1983 من مطار بيروت الدولي ،وصلنا إلى مطار مدينة بولونيا وسط ايطاليا بعد ساعات قليلة من السفر، كنت خلالها ممددا على مقاعد في مؤخرة الطائرة،لأنني كنت يومها لازلت ألبس الزي الأبيض،حيث كان الجبس يغطي القسم الأسفل من جسدي الممزق. كنت أزن حوالي ال40 كلغ فقط أو اقل من ذلك بقليل، لأنني اذكر عندما وصلنا إلى مدينة بولونيا الإيطالية،وتم وضعي في سيارة إسعاف ونقلي إلى مستشفى روتسيلي. هناك من الإسعاف إلى المستشفى حيث أعد لي سرير في غرفة كان فيها مريض ايطالي. تم نقلي عبر عربة صغيرة من عربات نقل المعوقين، تأكدت من أنني لست بوزن قريب من وزني السابق قبل الإصابة ولست ازن الكثير من الكيلوغرامات عندما قامت الممرضة الطليانية الصغيرة القامة، والرشيقة بحملي كما أنا ووضعي على السرير في الغرفة.

كانت تلك المرة هي الأولى التي أرى نفسي فيها محمولا بين ذراعي شابة أو امرأة، فقد جرت العادة أن يحمل الشاب الفتاة أو الرجل المرأة، لكن هنا كان العكس هو الصحيح. شعرت بالفرح بداية لهذه القلبة النوعية في سير الحياة، وشعرت أيضا بالحرارة تنتشر في جسدي المهشم،كانت تعبر من جسدها الطريّ، البرونزي، الدافئ كفروة دب قطبي. تمنيت لو أنها تبقى ممسكة بي كي أبقى ملتهباً بدفئها، بكل حنان قوتي الزائفة والزائلة. كنت اشعر بنبض قلبي يضرب وينغم كما العود مع نبضات قلبها، كأنه عود عربي يعزف لحن طلياني من جزيرة صقلية. كانت تفكر بنقلي وكنت أفكر بطريقة نقلي، بالمفاجئة الجميلة،برافعة أثقال بشرية، برافعة بقايا أجساد بشرية في مخلوقات آدمية، كيف تحملني فتاة بعمر الورد وتقوم بوضعي في سريري كطفل عديم الحركة والقوة؟!

بعد أن وضعتني الممرضة في سريري ربتت على كتفي وقالت لي" تشاو أميكو" يعني سلام يا صديقي، أردت أن اسألها عن السجائر والتدخين، لكنها لم تكن تفهم من اللغة الإنكليزية سوت كلمتي تشاو و أميكو باللهجة الطليانية.. كانت بسمتها كضحكة ملاك في هذه الغرفة ، الهادئة كأنها قبري في البلد الجديد، لم تكن الغرفة كبيرة ولا صغيرة ، كانت تتسع لسريرين، لكني كنت وحدي بين جدرانها،على مقربة من فراشي الأبيض كانت تقف طاولة خاصة،عليها بضعة زجاجات عصير طلياني تبين لي فيما بعد انه نبيذ من النوع الخفيف جدا، وكنت خلال يومي الأول في تلك الغرفة شربت بضعة زجاجات من العصير المذكور، لا أعرف لماذا اعتقدت انه عصير ولماذا أحببته وشربته بكميات هائلة خلال يومي الأول في ايطاليا.هل لأن القليل منه يشفي قبل الإنسان أم لأن الكثير منه يجعل الإنسان عرضة للنوم والنسيان..

كنت لا زلت وحدي وحيد غرفتي بعدما تركتني الممرضة صاحبة النهد المنتفض كرأس فأر خرج توا من مخبأه، حين جاءني ممرض طلياني وسيم وبشوش، تغطي ذقنه سكسوكة صغيرة زينتها بضع خطوط بيضاء. سألني الممرض بأنكليزيته المكسرة أكثر من إنكليزيتي العرجاء، عن الطعام وبالتحديد عن نوع اللحم الذي أريد تناوله، وبعد جهد طويل لم نتمكن خلاله من التفاهم بلغة بلاد بلفور التي تعتبر اللغة الأولى من حيث التداول عالميا، قام الممرض باستعراض أشبه بأدوار السيرك أو المسرح الكوميدية، فركع على ركبتيه، مد يده الأولى أمامي ثم أضاف الثانية بعد أن وضعها بنفس الطريقة وألصقها باليد الأولى أمامه ومدهما معا كما كانت تفعل الأم تريسا أو كما يفعل بابا الفاتيكان، ثم أطلق صوتا غريبا كصوت الدجاجة ومن ثم تبعه بصوت كصوت الديك ،عرفت حينها انه يسألني إن كنت أريد تناول الدجاج على الغذاء، رددت فورا "سي سينيوري" يعني نعم سيدي، وكنت تعلمت تلك الكلمات من خلال كتاب تعلم اللغة الإيطالية الذي أعطاني إياه صديقي جهاد كي أتعلم به قليلا من اللغة الإيطالية قبل سفري من مخيم شاتيلا المنكوب بالمجزرة إلى هناك. وكم كانت سعادة الطلياني كبيرة حين سمع نعم سيدي اي (سي سينيوري). ثم أخذ فورا يرش الكلمات الطليانية رشاً متواصلاً، فعالجته بما تعلمته أيضا من كتابي ،حيث قلت له " نو كبيتو" يعني لا أفهم، ففهم فورا أنها كانت مجاملة مني ساعة قلت بالطليانية الفصحى "سي سينيوري"، ثم أخرجت الكتاب من حقيبتي وقدمته له كي يفهم ما أقصد. ضحك وربت عل كتفي ومضى وهو (يترغل) بلغته الطليانية الجميلة..

انها ايطاليا!... يا لجمال الطبيعة في هذه البلاد الخضراء.. أرض التاريخ الذي تعلمناه في كتب التاريخ المدرسية وشاهدناه في الأفلام السينمائية والتلفزيونية.. بلاد الحضارة والثقافة والعلوم والحروب والظلم والحق.. أرض الشعب الطيب القلب، حيث النبيذ اللذيذ والنساء الطالعات من أوجاع المراحل، الصاعدات من عطر الدنيا نحو جراحنا التي تصارع الأطباء والمشافي والموت والحياة.. ها نحن أخيرا خارج دائرة الظلم والمطاردة والملاحقة والخوف، خارج شرق المتوسط .. بعيداً عن بلاد الضاد حيث لا قيمة حقيقية للعباد.. نحن الآن في بلاد المعكرونة واللاساني والسباغتي والنبيذ الذي بقليله قد يشعل أو يطفئ قلب الإنسان.

مجموعة من الجرحى من فلسطين ولبنان، لكل واحد منهم حكايته وكل واحد منهم حكاية.. ناس أحبوا الحياة والحرية والسلام والعيش بكرامة .. رجال، نساء، شبيبة و أطفال، من ألوانٍ جمعت كل الألوان .. جاءوا إلى ايطاليا يجرون جراحهم وأثقال الحرب، يحملون قرآنهم العربي وأثقالهم وصليبهم الناصري وما تبقى من بندقية الثائر وأغصان الزيتون ورايات بلادهم المحترقة بنار صهيون.

هنا الطفل علي وبقربه الطفلة فاطمة قمران من ليل الجنوب اللبناني.. مشعان ومشتعلان فخرا وانتماء لحيث صارت تشرق شمس العرب.. هناك الطفل فادي وجه شاتيلا بعد المجزرة، إرادة و انتماء، عنفوان وتحدي و بقاء، صمود وكبرياء، يحمل فلسطين مع مخيمه اينما حطت رحاله مع ساقه الباقية وحيدة، شاهدة على قنابلهم العنقودية التي كانت تتساقط فوق المخيمات الفلسطينية والبلدات اللبنانية.
--
أنظر في وجوههم فأرى وجوه أحبتي .. وجوه أصدقائي ..وجوه معارفي .. وجوه عفاريت وأباليس الموت.. وجوه من ماتوا قربي.. ومن استشهدوا بعيدا عني.. أذهب مع نظرات عيونهم باحثاً عن الحنين والمنزل الذي شهد انبعاث أحبتي.. أنظر في قبر الدنيا المنحوت بسكين الأقدار .. أنظر فيما حل بنا، فيما حل بي.. بتضاريس جسدي .. أنظر في جورة حفرتها شظايا قنبلة في ساقي، أتأمل عمقها وما تكسر وتفتت من عظام وشرايين وأوردة وعضلات، أبحث عن الأوتار، عن المعلقات.. أتعجب من التئام جرحي .. ومن قدرتي على النهوض من جديد!.. أينهض ميت من قبره ليسير على ساق واحدة بلا اكتراث!.. كأنني لم أمت يوم ماتوا.. كأنني ما رأيت الموت الجبار.. لم يزرني من قبل ..كأنني إنسان جديد، في عالم الموت على الطرقات.. كأنني التقيت بالموت كي أبعث حيا..
---
أقرأ فيهم أسرار قلبي .. فكلما نظرت في المرآة.. سألت نفسي: ترى كم من المرايا قرأت حبي؟ ..
وكم من الضحايا عبرن مقبرة قلبي..؟؟
أقرأ خطاياي، وأعد خطواتي، خطوة خطوة.. أليست الدنيا مراحل؟..
إنها كذلك، والحب مر علينا وفي حياتنا بمراحل وكمراحل.. والكذب مر علينا وبنا ومر على الحب كأسوأ مرحلة حيث يقوم فيها القلب بتمثيل دور البطل الدجال الذي يحتال على العقل.
----
أوزع كلماتي الهاتفية هتافا..وكلما مرت فوق الحي طائرة .. ابتسم لجدران صوتها المدوية.. أوزع الصوت على كلماتي الهاتفة: هنا أنين السحاب على زجاج شباكي .. يحمل مع الريح آهاتي.. هنا ذكرى تفاحتنا الفردوسية.. تفاحة حواء الواقفة على خط النار الجهنمية..
هنا وقف الآدمي.. على أعتاب جهنم الخائفة من قدمي عروسته الآدمية.. وهنا الورد الجوري يجور على الكلام .. والرأس الأبيض يعتز بما فيه من أفكار.. أما الوسادة المحشوة بريش النعام فلا تنام، من ثقل ما في الرأس من أفكار... وحبيبتي ترى أين هي الآن وهل هي الأخرى لا تنام؟..

ايطاليا 1983 - نضال حمد -

يتبع


***

موضوع سابق

19-3-1983 - Italia - Bologna - Nidal

في مثل هذا اليوم من شهر مارس - آذار 1983 كنت لازلت اعاني من اصابتي ولا استطيع التحرك إلا بعربة نقالة. وكان الجبس الذي لفَ ويلفُ ساقي الباقية قد أنهكني حيث استمر تبديله وحضوره من ايلول - سبتمبر 1982 وحتى الفترة نفسها من سنة 1983 .

هذه الصورة التقطت في مثل هذا اليوم 19-3- اي قبل 31 عاما مضت من عمري وعمر ثورتنا وقضيتنا وشتاتنا المستمر،التقطت في مدينة بولونيا امام المبنى الذي اعد خصيصا للجرحى الفلسطينيين واللبنانيين من قبل بلدية المدينة، التابعة للحزب الشيوعي الايطالي العريق. حيث تعالجنا هناك على نفقة الحزب والبلدية.

بقيت هناك شهورا عديدة وبعد ذلك عدت الى الشام ومخيم اليرموك على ساقين واحدة مهشمة ومكسرة والأخرى بلاستيكية. عدت الى الميادين ولم ارفع الراية البيضاء لكني رفعت الجبس الابيض الذي انهكني في رحلة العودة الى الحياة - الحياة مقاومة-...

( نضال حمد - 19-3-2014 اوسلو )


**


الرفيقة الأم ايفونا الطليانية - من خزان الذاكرة - رحلة علاجي في ايطاليا 1983 .
qualcosa di lealtà per l'italia = in segno di lealtà per l'Itlia.

في مثل هذه الايام من سنة 1983 حملتني عربة متحركة من مخيم شاتيلا في بيروت الجريحة مثلي والتي كنت جريحا مثلها، الى مطار العاصمة الدولي، الذي كان يسمى يومها مطار بيروت الدولي ولم يكن أحد يومها يسمع بعد بالمرحوم رفيق الحريري كسياسي في لبنان، باستثناء شركته سولفير التي ازاجت جرافاتها كافة المتاريس من بيروت الغربية بعد رحيل الثورة الفلسطينية عنها عقب حصار بيروت الشهير صيف سنة 1982. الذي تلاه اجتياح شارون للشق الغربي من العاصمة وتنفيذ مذبحة مخيمي صبرا وشاتيلا بالشراكة مع عملاءه من الانعزاليين اللبنانيين رفاق المقبور بشير الجميل. بعد ذلك برز دورالحريري وفيما بعد اصبح واحدا من أقوى رؤساء وزراء لبنان، وبعد اغتياله سمي المطار المذكور باسمه.

ظهر ذلك اليوم البيروتي الربيعي المشمس والدافئ اقلعت بنا الطائرة من بيروت متوجهة الى مدينة بولونيا في ايطاليا، ولم اكن وحدي حيث كانت الطائرة تقل نحو مائة جريح ومريض لبناني وفلسطينيان اثنان، هما انا والطفل فادي، وكلانا كان فقد ساقه بقنابل الاحتلال الصهيوني في بيروت الغربية سنة 1982 .وبالتحديد في مخيم شاتيلا.

فادي لم يكن يبلغ من العمر أكثر من 10 سنوات، اوصتني به والدته التي كانت قلقة وخائفة عليه لانه وحده يسافر بعيدا كما سافرت الثورة قبل شهور قليلة. لم تكن تعرفني ولا انا كنت اعرفها ، لكن الدم الواحد دمنا الفلسطيني النازف شجعها على طلبها ذلك. فوجود أمي بقربي وخلال وداعي ساعدها على الطلب مني العناية بفادي الصغير. كنت ابلغ من العمر 19 ربيعا، وكنت ارى في كل أم فلسطينية ولبنانية أم لي ولرفاقي ابناء الثورة الراحلة. في ايطاليا احتضنت الطفل - الشبل - فادي وعاملته كأخ صغير حتى أنهى علاجه وعاد الى مخيم شاتيلا بساقين واحدة طبيعية والثانية بلاستيكية، مثلي تماما. ومنذ ذلك اليوم اي قبل 31 عاما لم أر فادي ولم التق به ولا اعرف اي شيء عنه.

في مدينة بولونيا بايطاليا تعرفنا على عالم جديد، آخر، مختلف، جميل وبديع، عالم كان يحترمنا ويقدرنا ويحبنا ويكن لنا الود والاعجاب، عالم متضامن معنا ومع قضيتنا الى اقصى الحدود. هناك تعرفنا على الرفيقة الشيوعية الطليانية الأم ايفونا، التي كانت مسؤولة عنا وعن رعايتنا هي والسيد برونو الاشتراكي الطلياني الذي بقي معنا حتى عدنا معافيين الى لبنان وسورية وشرق المتوسط المشتعل.

تعرفنا ايضا على الطبيبين الفلسطينيين الشقيقين حنا وبشير سراس، الفلسطينيان الجميلان، القادمان من بيت جالا في فلسطين المحتلة، ومن تشيلي حيث اكبر تجمع فلسطيني في الشتات الاجنبي. وعلى زوجة بشير، سامية الرشيقة والجميلة والرائعة بلكنتها الفلسطينية البلدية ولهجتها الشعبية التي تغيظ كارهي شعبنا الفلسطيني اينما كانوا وبالذات اعوان الفاشية اللبنانية الانعزالية. وتعرفنا ايضا على عائلتهم كلها صغيرا وكبيرا لانهم كانوا عائلتنا الاولى في بولونيا وايطاليا، وسوف ابقى اذكر بكل حب واحترام المرحوم والدهما والفاضلة والدتهما وشقيقتهما الرائعة لوسي. التي مازالت مع الوالدة في بولونيا بينما عاد بشير وزوجته الى تشيلي. فيما لا أعرف اي شيء واية خبار عن الدكتور حنا.

في ايطاليا وحيث كانت ايفونا تشرف علينا في البدء تم تخصيص فيلا كبيرة لنا، جهزت بكل ما يلزم من أسرة و اغطية ومعدات وتلفاز وما تتطلبه عيادة طبية طارئة استقبلت اكثر من مائة جريح. وعند وصولنا الى المطار كانت عشرات سيارات الاسعاف في انتظارنا فحملت بعضنا الى المشافي وانا كنت واحدا من الذين توجوها فورا الى مستشفى روتسولي الشهير في مدينة بولونيا. بقيت هناك عدة ايام وبعد اجراء كافة الفحوص اللازمة غادرت المستشفى لالتحق برفاقي ورفيقاتي في العيادة الطارئة.

كانت الأم ايفونا تحرص على سلامتنا وتقوم على مساعدتنا ساعات طويلة في اليوم وبعد مرور اسابيع على وجودنا في ايطاليا الذي استمر لاشهر عديدة وطويلة تعرفنا على كافة افراد عائلتها. واصبحنا اصدقاء ومثل عائلة واحدة. وفي احد الأيام وكانت تلك المرة الأولى التي تدعوني فيها ايفونا لتناول طعام العشاء في مطعم فخم، وكان معها رفيق عمرها الذي للاسف تخونني الآن ذاكرتي ولا تساعدني على تذكر اسمه.

تلك الليلة حاولا ان يشرحا لي عن وجبة العشاء التي سنتناولها ولان لغتهما الانجليزية كانت اضعف من لغتي الانجليزية الضعيفة ايضا، لكن بعد طول شرح وعدم فهم كافي بما تبادلنا من كلام وافقت على وجبة عشاء اسمها ( رانا ). بصراحة بعد الشرح ظننت انها نوع من الطيور او العصافير لكن تبين فيما بعد انها افخاذ الضفاضع. كانت وجبة شهية. ذكرتني بأول زيارة لي للشام سنة 1976 حيث كانت تباع ايضا في اسواق دمشق اول عاصمة في التاريخ.

بعد تلك السهرة الأولى استمرت المشاوير والرحلات مع الأم ايفونا وفي يوم آخر اصطحبتني انا وزميلي اللبناني محمد فاعور بسيارتها الفيات الصغيرة وذهبنا لزيارة معلم تاريخي طلياني يقع على قمة جبل صغير قرب مدينة بولونيا واسمه دير سان لوكا. وهذه الصورة معها ومع محمد من تلك الرحلة.

في الخامس والعشرون من ايار مايو سنة 1983 كان يوم عيد ميلادي حيث بلغت من العمر 20 عاما.تفاجأت يومها بالمسؤولين الطليان وعلى رأسم ايفونا وبرونو، واللبنانيين والفلسطينيين حين اقاموا لي حفل عيد ميلادي في العيادة الطبية الطارئة. كانت إلتفاتة جميلة منهم ومنهن، لن انساها ما دمت حياً خاصة انها ذكرتني بآخر عيد ميلاد لي في لبنان وفي مخيم عين الحلوة، في ايار مايو 1982، اسبوعان قبل بدء الغزو الصهيوني للبنان. فقد فاجأني والدي ووالدتي حين طلبا مني ان اذهب معهما الى سوق المخيم ولم أكن يومها اذكر انه يوم ميلادي. قاما بشراء بلوزة وقميص واشياء اخرى اهدياني اياها. وشاءت الصدفة انني يوم اصابتي في 17-9-1982 على مدخل مخيم شاتيلا انني كنت ارتدي تلك البلوزة.

يوم غادرت ايطاليا عائدا الى مخيم اليرموك في سورية وليس الى مخيم عين الحلوة في لبنان بسبب الاحتلال الصهيوني. ودعتني ايفونا وداعا حارا وبكت بكاءا شديدا، كذلك فعل رفيق عمرها، وايضا برونو وبقية الاحبة والاصدقاء والصديقات. بقيت على تواصل مع ايفونا عبر المراسلة البريدية ولكن بسبب احوالنا الفلسطيية التي اشتهرت بالسفر والتنقل والشتات الدائم انقطعت الاتصالات. ولم اعد أعرف اي شيء عن ايفونا وبرونو. فيما عثرت مؤخرا على الدكتور بشير وزوجته سامية في سناتياغو بتشيلي وتواصلنا هاتفيا.

قبل ثلاث سنوات زرت برفقة الرفيق الطلياني اليساندرو مدينة بولونيا في ايطاليا. كانت اول زيارة لي للمدينة بعد فراق استمر 29 عاما متواصلة. أول شيء خطر على بالي هو البحث عن ايفونا ولوسي وحنا وبرونو والطلبة الفلسطينيين الذين كانوا يدرسون هناك والذين لم يفارقوننا طوال اقامتنا في بولونيا سنة 1983 .وكانوا كلهم سندا لنا وعونا وخير اخوة ورفاق. استطعت العثور على لوسي وتكلمت معها هاتفيا لكننا لم نسطع اللقاء بسبب مرض والدتها واضطرارها للبقاء بجوارها واضطراري للعودة الى مدينة فياريجيو حيث كنت ملتزما بالتحدث في ندوة سياسية وثقافية عن فلسطين. وعثرت ايضا بطريق الصدفة على بعض الاخوة الطلبة الفلسطينيين الذين لازالوا هناك منذ 1983. التقيت بهم في مطعم فلسطيني قرب جامعة بولونيا العريقة والشهيرة. التي تتزين جدرانها الخارجية بلوحات ورسومات وشعارات مؤيدة للقضية الفلسطينية. سوف يكون لي عودة للحديث عن الطلبة الفلسطينيين في بولونيا وحكايتنا الجميلة معهم.

(نضال حمد - أوسلو)




* موضوع شبيه :

http://www.safsaf.org/word/2014/mars/80.htm
 

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 19-03-2014آخر تحديث