|

أم غازي حمد في ذكرى مجزرة قرية الصفصاف

حبسونا في قبو البيت الذي قتلوا فيه 100 رجل
إعداد
نضال حمد/ أوسلو
التقيتها عام 2008 في منزلها، في مخيم عين الحلوة، في جنوب لبنان، في
المخيم الذي تقيم فيه منذ النكبة عام 1948. تروي زهيا قاسم إسماعيل حمد
(مواليد 1939) حكايتها مع مسقط رأسها قرية الصفصاف التابعة لقضاء صفد في
الجليل الأعلى بفلسطين..
أم لشهيدين: عبد محمد حمد الذي استشهد في معركة التصدي للدبابات الصهيونية
التي كانت تحاول اقتحام مخيم عين الحلوة في حزيران (يونيو) 1982. وطارق
محمد حمد الذي اغتاله مجهول في مخيم عين الحلوة عام 1991.
ابن شقيقها أشرف أحمد حمد استشهد في معارك تحرير شرق صيدا عام 1986، فيما
استشهد ابن شقيقها الآخر أيضاً في مخيم نهر البارد عام 2007.
والدها استشهد في مجزرة الصفصاف سنة 1948، وقصة استشهاده المحزنة أصبحت
محطة هامة في حياة أم غازي حمد..
ومن هنا تبدأ الحكاية..
أنا أم غازي حمد من بلدة الصفصاف، بدي أحكي عن مجزرة الصفصاف التي حدثت في
فلسطين.. لم يكن هناك إعلام في المنطقة ولا أحد علم بالمجزرة.. ولا أحد
تكلم عنها.. صارت مجزرة كبيرة وراح شباب كثيرين من عندنا.. حدثت قبل ذلك
معركة المرج شرقي الصفصاف، شارك فيها جنود من جيش الإنقاذ وشباب من
«جماعتنا» من البلدة.. وظلوا يتناوشوا هم واليهود من عصر أول يوم حتى ثاني
يوم صباحاً والمعركة كانت ماشية.. خسر اليهود كثيراً في معركة المرج (يوم
28/10/1948)..
لم تستطع قوات اليهود دخول البلدة من تلك الناحية، فالتفّت عليها من جهة
اليمين والغرب من قرب بلدة ميرون وبالضبط من عند كرم النجار، وفي الصباح
عند الفجر دخل اليهود البلدة، فصار الرجال كبار السن من أهل البلدة يقولوا
للناس لا تخافوا هذه نجدة قادمة، لكن ما حسينا إلا واليهود بيننا في
البلدة. كانوا يحكوا ويرطموا (للتعبير عن الحديث بالعبرية).. عندها عرفنا
أنهم دخلوا البلدة. عندما دخلوا كنا نحن النساء والأطفال والعجزة في قبو
شيخ البلدة إسماعيل الناصر (زغموت).. كما كان قسم آخر من الناس في دار
البيك (أحمد شريدي)..عندما دخل اليهود البلدة أخرجونا من القبو الذي كنا
نجلس فيه، كنا هناك نساء وأطفال ورجال تجمعنا هناك.. أخرجونا إلى الحديقة
الكبيرة التابعة لبيت الشيخ إسماعيل الناصر وقاموا بفصل الرجال عن النساء،
احتجت النسوة على هذا العمل وسألوا لماذا يفصلون بينهم؟ وماذا تريدون من
هؤلاء الرجال، فهم لم يحاربوا ولم يقاتلوا، كانوا هنا معنا طوال الوقت..
مثلنا مثلهم.. رد اليهودي قائلاً: لا.. لا.. نريد أن نحكي معهم كلمتين
والكل بيرجع هون.. المهم الرجال كبار السن مثل أبو حمد وفارس ورشيد وعاطف
ابنه.. هؤلاء الذين كانت أعمارهم من الستين وفوق تركوهم.. لم يأخذوهم مع
الشباب ثم قاموا بصف الشباب وقالوا لنا أنتم أدخلوا إلى الدار.. دار
إسماعيل الناصر كانت تتألف من دارين.. يوجد جدار فاصل بين الدارين، أدخلوا
الشباب إلى الدار الثانية وأطلقوا النار عليهم.
✽ ✽ ✽
أم غازي التي كانت طفلة صغيرة في ذلك الوقت، عندما سألناها عن عدد الذين
سقطوا شهداء في المجزرة، قالت: لا أدري، لكن يقال إنهم أكثر من 100 شخص.
للأسف ما كان في أحد يحكي ولا تلفزيون ولا إعلام ولا شيء..
بعدما قتلوهم بقينا في البيت ولم نعد نجرؤ على الخروج من الدار.. بعض
النساء خرجن بالسرّ لمعرفة مصير أولادهن الذين أطلقت النار عليهم في الدار
المجاورة.. فقد كانت هناك بوابة عادية للدخول إلى الدار التي فيها الشهداء،
ذهبت فاطمة المحمد زوجة أبو ظاهر يونس لرؤية ابنها أحمد الذي كان ضمن
الشباب.. دخلت البيت فعرفها والدي الذي كان ما زال جريحاً وعلى قيد الحياة.
سألها: يا حجة هل أمي وزوجتي واولادي ما زالوا أحياء؟
أجابته: نعم ما زالوا أحياء.. وكلنا في القبو المجاور لهذه الدار بخير، لم
يعتدوا على النساء في دار اسماعيل الناصر.
قال لها: قولي لأمي ولزوجتي إنني جريح وعطشان وبعدني عايش وريقي ناشف وبدي
أشرب ماء، لو بيقدروا يدبروا لي شوية مية..
عادت فاطمة المحمد (يونس) وقالت لنا إن والدي جريح وما زال حياً، وبحاجة
إلى شربة ماء لأنه عطشان وريقه ناشف.. وإذا كان فيكم تدبروا له شوية ماء..
قالت (ستي) جدتي أم والدي وكذلك أمي:
اذهبي إلى دار (نعيم الكُلْ)، هناك بتلاقي خوابي ماء، فتّشي عن أي شيء وخذي
فيه ماء لأبيك..
خرجت من الدار، شاهدت مجنزرة لليهود واقفة غير بعيد عن الدار، وكان هناك
جنديان يحملان السلاح.. مررت من قربهما.. كنت صغيرة ولم أكن أعرف شيئاً..
يبدو أنهما كانا يراقبانني.. تابعت طريقي وتسلقت شباكين صغيرين من جهة
الغرب ودخلت بيت (نعيم الكُلْ) فوجدت ركوة قهوة، غرفت فيها ماء من الخابية
ونزلت عبر الشباكين.. كان اليهوديان يراقبانني ويرصدان تحركاتي.. تابعت
طريقي نحو الدار التي فيها الشهداء وأبي الجريح، فتحت الباب فرأيت والدي
يجلس ووجهه إلى جهة الغرب، طبعاً قمت بالمشي بين جثث الشهداء والقفز من
فوقها حتى وصلت إلى أبي.. كانت الدار مليئة بالجثث هنا رأس وهناك أرجل
وأيدي ودماء.. إلخ..
رآني أبي:
فقال لي أنا هنا يابا (يا ابنتي).. تعالي إلى هنا..
قلت له يابا (يا أبي) أحضرت لك الماء، أجلس حتى أسقيك..
قال لي يا ابنتي:
أنا مصاب باليدين والرجلين ولا استطيع التحرك.. أسقيني وأنا بهذه الوضعية..
أمسكت بالركوة وبدأت أدير الماء شوية، شوية في فمه.. شرب معظم ما كان في
الركوة.. وصار يسألني:
يا ابنتي! أمك وستك (الجدة) وأخوك طيبين (أحياء) وما حدا (أحد) جاء صوبكم؟
قلت له: لأ يابا.. لم يقتلوا أي امرأة.. فقط قتلوا الرجال..
قال لي: قولي لهم لعلهم في الليل يستطيعون تحييدنا وإخراجنا من هنا.. أنا
جريح ومصاب فقط بيدي ورجلي.. وأضاف هنا أيضاً يوجد هذا الشاب جريح، أشار
أبي نحوه.. فرأيته بين القتلى.. ذاك الشاب كان من بلدة «بيريا»، عندما سقطت
صفد جاء هؤلاء إلى الصفصاف احتموا فيها وظلوا هنا وعلقوا معنا.. كان شاباً
يبلغ العشرين سنة من العمر، نظرت نحوه ففتح عينيه ونظر نحوي.. تركت له ركوة
القهوة وما بقي فيها من ماء.
قلت لأبي حين أعود سوف أخبرهم لعلهم يحيدونكما..
ما إن خرجت من الباب الذي دخلت منه حتى رأيت اليهودي يقف خلف الباب، أمسكني
من كتفي وكان يحمل بارودة وأمشطة عسكرية على جانبيه وصدره..
قال لي بنفر:
أنت وين بيكون؟
قلت:
كنت أقضي حاجتي..
قال:
لأ أنت عربي ما بيحكي مضبوط.. (كان يتكلم العربية بشكل مكسر)
قال لي: أنت كنت عند شخص جريح لازم بيموت..
والله الشهيد هكذا قال لي وبهذه اللهجة..
أنت كنت عند شخص جريح لازم بيموت..
لا ولن أنسى تلك الواقعة..
أثناء صراخه وحديثه معي خرجت أمي وجدتي وأخذتا ترجوانه أن يتركني، وقالتا
إنني طفلة غبية وصغيرة لا تفهم ولا تعقل..
قال لهما: يا الله.. أنتم كلكم ما بيحكي مضبوط..
وأضاف: نحن (اليهود) نقتل الشخص بالرصاص أما أنتم (العرب) تذبحونه ذبحاً..
ثم صرخ فينا: الكل بيدخل البيت..
أدخلنا إلى البيت.. وطرق الباب خلفنا بقوة.. ثم أطلق رصاصة في الهواء وأخذ
يشتمنا بعبارات نابية جداً. وهددنا قائلاً: أي وحدة منكن بتخرج سوف أفعل
وأترك فيها.. وتهديدات وشتائم أشكال وألوان.. بعد ذلك لم نجرؤ على الخروج
من البيت والقبو. ثم ذهب وأجهز بالرصاص على الجريحين، ابي والشاب الذي معه.
لم نخرج من البيت إلا بعد يومين.. فقد جعنا وعطشنا!!♦
تاريخ النشر في الصفصاف
: 02/11/2010 |