ناجي العلي الصغير)) عبد الرحمن قطناني فنان فلسطيني يزين جدران وشوارع مخيمات بيروت.. وفرنسا
 

بقلم: محمود عبد الله كلّم

هو تماماً كناجي العلي، لا يعرف فن المساومة.. عرفته من خلال اهتمامي بالفنان الشهيد، دائم التجول في أزقة مخيم شاتيلا الضيقة، لا تجذبه الأضواء ويتجنب الحديث عن نفسه، أذكر في صيف سنة 2001، أقيم معرض شخصي له في مخيم شاتيلا، وأثناء قص شريط افتتاح المعرض كان يقف في الصفوف الخلفية بين الجمهور، وكأن الأمر لا يعنيه. الفن بالنسبة له رسالة وقضية، وليس تسلية، رسالة لدعم الشعب الفلسطيني وتسليط الأضواء على واقعه وحياة البؤس والتشريد التي يعيشها الشعب الفلسطيني منذ النكبة. هي قضية بمعنى الالتزام بهموم الإنسان ومشاكله. لديه روح الحماسة والأمل والإصرار على التمسك بحق العودة إلى كامل التراب الفلسطيني ورفض استمرار التشرد واللجوء.


يسميه البعض ((رسام المخيم))، أما الدكتور أنيس صايغ فسماه ((ناجي العلي الصغير))، وهذا ما يسعده كثيراً.
يختفي خلف رسوم عبد الرحمن قطناني مزاج وطني بأكمله، فلسطين هي محور رسومه، فهو لا يريد الحق إلا كاملاً، ولا يريد العدل إلا مطلقاً. هو المثقف الحالم في التعبير عن ((روح الشعب)) والتنديد بمن لا ينتسب إلى الشعب ويعبث به. إنه نموذج لتطلعات أبناء جيله نحو الحق لاسترداده، حياته نضال وأعماله ثورة.

تعريف

ولد عبد الرحمن أحمد قطناني في 25 أيلول سنة 1983 في مبنى مستشفى غزة بمحلة صبرا شمال مخيم شاتيلا، ولا يزال يعيش في المبنى نفسه، تعود جذور عائلته إلى قرية اليازور قضاء يافا، التي طُردت منها عام 1948 إلى لبنان، واستقر بهم الحال في مخيم تل الزعتر، وعلى أثر مجزرة تل الزعتر في 12 آب 1976 انتقلت عائلته إلى مبنى مستشفى غزة بعد أن خسرت عدداً من أفرادها. في هذا المبنى ولد عبد الرحمن، وولد بعده إخوته (محمد، عمر، عثمان، لطيفة، فاطمة).
درس المرحلة الابتدائية في مدرسة المقاصد ((عثمان ذي النورين)). في طفولته، كان العلَم الفلسطيني ملازماً لكل ما كان يرسمه، وذات مرة رسم هيكلاً عظمياً يحمل علم فلسطين. في الصف الخامس الابتدائي، كان له أول معرض أشغال يدوية في المدرسة، لكن كثيراً من أعماله لم تعرض باسمه؛ بل بأسماء زملائه في الصف نزولاً عند رغبة إدارة المدرسة.


في المرحلة المتوسطة، انتسب إلى مدرسة أريحا التابعة للأنروا، رسب في صف الثاني متوسط (الصف السابع) بسبب إصابته المبكّرة بمرض السكري (يتناول الآن إبر الأنسولين). فعلياً، بدأ برسم الكاركاتير في الصف التاسع، تأثر جداً بالفنان ناجي العلي ومنهجه، وجعله مشروع التخرج هذه السنة من الجامعة اللبنانية كلية الفنون قسم الرسم والتصوير. في المرحلة الثانوية يقول عبد الرحمن- كنت في الأول الثانوي سنة 2001 حين أقامت هيئة تنسيق الجمعيات الأهلية في التجمعات الفلسطينية مسابقة عن حق العودة في الذكرى 53 للنكبة، ففزت بالمرتبة الأولى. والعمل كان شعاراً للمخيم الصيفي لأطفال مدارس الأنروا في سبلين؛ وهو عبارة عن طفل مقعد وبنت واقفة يرفعان علم فلسطين على مفتاح حق العودة، والخلفية كانت خيمة. وهذا البوستر وُزّع في الوطن العربي، وفي لبنان فقط تم توزيع عشرة آلاف نسخة، قمت بفرزهم بنفسي. ثم طُبعت على نحاس ووزعت على المؤسسات وكانت تحمل توقيع شخص من آل ((..))، احتججت كثيراً ولم يؤخذ باحتجاجي. طبعوها على تيشيرت ولم يهدوني واحدة على الأقل. ليس هذا فحسب، فالجائزة كانت عبارة عن مئة دولار ومواد تلوين، أعطوني المبلغ بعد جهد جهيد ولم أتسلم مواد التلوين حتى اليوم.

لماذا الرسم على الحيطان؟

ما دامت صحف الساحة الفلسطينية في تزايد مستمر، فلماذا الرسم على الجدران؟
ربما لأن مساحة الحرية كبيرة، ولأن ((الفرجة مش إجباري، واللي مش عاجبه ما يتفرج))، ولأنه لا يملك الجاه ولا المال، عمل بنصيحة أحد أصدقائه ((ابدأ كما بدأ ناجي العلي)). ارسم على جدران المخيم، وهكذا كان. يقول قطناني: البداية كانت الرسم على جدران ((شارع الثقافة)) في مخيم شاتيلا، موّل طباعة هذه اللوحات أحد الأصدقاء، البداية كانت في أواسط شهر تموز 2004، ثم كبرت الفكرة فانتقلت إلى مخيميْ مار الياس وبرج البراجنة، واستمريت بالرسم على جدران ثلاثة مخيمات.
ضاق بعض الفصائل ذرعاً برسوماتي الكاريكاتيرية فهددوا والدي في لقمة عيشه (كان يعمل بشكل متقطع في إحدى الجمعيات)، فلم أستجب لهم لأنني أهوى الرسم وأحاول التعبير من خلاله عن معاناتنا وعن مشاعرنا. ويضيف متهكماً: صارت لوحاتي تمزق ليلاً مع أن جميع الحقوق محفوظة لجدران المخيم.

مع مشروع التوأمة

التوأمة هي علاقة تضامنية بين مخيم شاتيلا ومدينة بانيوليه الفرنسية، حيث وقعت اتفاقية التوأمة في أيلول 2002، في الذكرى العشرين لمجزرة صبرا وشاتيلا، وفي كانون الأول 2004، أُعيد تشكيل لجنة التوأمة في مخيم شاتيلا للمرة الثانية، وكان عبد الرحمن أحد أعضائها. وفي حزيران 2005، وعن طريق لجنة التوأمة، سافر إلى فرنسا واشترك بمهرجان دولي للرسم على الجدران ((كوزموبوليت))؛ وهو المهرجان الوحيد في هذا التخصص المعترف به دولياً.. هو مهرجان يعتمد على تقنية ((غرافيتي تاغ))، وتعتبر المشاركة الأولى لرسام عربي وبالأخص فلسطيني في هذا المهرجان.
التاغ: تعني الرسم على الجدران باستخدام ((السبراي))؛ أي كتابة كلمات بأسلوب فني، اشتهرت جداً في أنفاق المترو في فرنسا (كما في اللوحتين المنشورتين).


الغرافيتي: رسم صور أشخاص على الجدران، وغالباً ما يتم المزج بين الغرافيتي والتاغ.
يقول عبد الرحمن: إن التوأمة فتحت لي آفاقاً جديدة دولية مع فنانين كبار في فرنسا، خاصة أن هذا الفن غير معروف في لبنان، من ناحية رسم التاغ تأثرت كثيراً ببعض الفنانين الفرنسيين مثل جيلبيرت وكونغو ولازو. كان هدفي من المشاركة في هذا المهرجان هو إيصال رسالة من مخيمات اللاجئين في لبنان إلى قلب أوروبا بواسطة الرسم.


هذه الأيام أصبح رسمه يلوّن جدران المخيم أوجاعاً وحكايات بواسطة تقنية الغرافيتي ورسم التاغ، وهو يعتبر أول من رسم بهذه التقنية في لبنان. ويلفت إلى أن ((هذه التقنية تعلمتها في فرنسا خلال عامي 2005 و2006، ورغبت أن يكون الموضوع الأول عن حق العودة)). أما عن توقيعه؛ المفتاح، فيقول: في البداية كنت أوقع رسوماتي باسمي صراحة ((عبد الرحمن قطناني))، لكن أحد أصدقائي نصحني بتكريس إمضائي على شكل مفتاح.

معارض شخصية

أقام قطناني عدداً من المعارض في المخيم، وشارك في معارض جماعية منها: معرض في جامعة بيروت العربية، وفي عام 2001 أقام معرضه الأول في مخيم شاتيلا بمركز الأطفال والفتوة.

 

وفي عام 2004، وبدعوة من أصدقاء الفنان أقيم له معرض في مخيم شاتيلا بقاعة الشعب. وفي عام 2005، وبدعوة من جمعية توأمة المدن الفرنسية مع المخيمات الفلسطينية، أقيم له معرضان في فرنسا. أما في العام 2006، فقد أقامت له الجمعية ثلاثة معارض في المدن الفرنسية التالية: بوردو ونانت وليون.
قطناني، في مقتبل العمر، لم يقل كل ما عنده بعد، لديه الكثير، فالفن التزام، والاستبداد يحصد الملتزمين.

 

www.safsaf.org